بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
خلق الله الإنسان كائناً لا يستطيع أن يعيش وحده، بل جُبل على الحاجة إلى الآخرين، والتعاون معهم، والأُنس بقربهم. فالعلاقات الإنسانية ليست أمراً ثانوياً في الحياة، بل هي من أساسيات الاستقرار النفسي والاجتماعي، ولذلك اهتم الإسلام ببناء العلاقة الطيبة بين الناس، وحذّر من الخصومة والعداوة لما تخلّفه من دمارٍ في النفس والمجتمع.
حاجة الإنسان إلى الآخرين
يحتاج الإنسان إلى أخيه الإنسان في جانبين أساسيين:
أولاً: الحاجة المادية
لا يستطيع الإنسان أن يدير شؤون حياته وحده، فهو يحتاج إلى الناس في طعامه ولباسه وعمله وتعليمه وعلاجه وسائر أمور معيشته، ولذلك قامت الحياة على التعاون وتبادل المنافع.
ولهذا وصف الله المؤمنين بأنهم مجتمع متعاون متراحم، فقال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾
سورة المائدة: 2
فكلما كانت علاقة الإنسان بالناس أوسع وأفضل، كانت حياته أكثر انتظاماً وراحة.
ثانياً: الحاجة النفسية
الإنسان يحتاج إلى الأُنس والمحبة كما يحتاج إلى الطعام والشراب، ولذلك فإن العزلة القاسية تُتعب النفس وتؤذي القلب.
وقد أشار الإسلام إلى أهمية الألفة بين الناس، فعن رسول الله ﷺ وآله:
«المؤمنُ يألفُ ويُؤلف، ولا خيرَ فيمن لا يألفُ ولا يُؤلف».
فالمؤمن الحقيقي صاحب روحٍ قريبة من الناس، يألفهم ويألفونه، وينشر بينهم الطمأنينة والمودة.
التودد إلى الناس من علامات العقل والإيمان
الإسلام لا يريد من الإنسان أن يكون منغلقاً أو قاسياً، بل يدعوه إلى حسن المعاشرة ولين الجانب والتودد إلى الناس.
روي عن رسول الله ﷺ وآله:
«أكملُ المؤمنين إيماناً أحسنُهم خُلُقاً».
وعن علي بن أبي طالب عليه السلام قال:
«خالِطُوا الناسَ مُخالَطَةً إنْ مُتُّم معها بَكَوا عليكم، وإنْ عِشْتُم حَنّوا إليكم».
فأجمل الناس ليس أكثرهم مالاً أو قوة، بل أكثرهم خُلُقاً ورحمةً وقرباً من القلوب.
العداوة… خطر على النفس والدين
إذا كانت المحبة هي الحالة الطبيعية بين الناس، فإن العداوة تمثل انحرافاً عن الفطرة، لأنها تحوّل القلوب من الأُنس إلى النفور، ومن الرحمة إلى القسوة.
وقد حذّر الإسلام بشدة من البغضاء والخصومات.
قال رسول الله ﷺ وآله :
«دَبَّ إليكم داءُ الأممِ قبلكم: الحسدُ والبغضاءُ، والبغضاءُ هي الحالقةُ، لا أقولُ تحلقُ الشعرَ، ولكن تحلقُ الدينَ».
فالعداوة لا تهدم العلاقات فقط، بل قد تهدم دين الإنسان وأخلاقه.
«إيّاكم والخصومةَ في الدينِ، فإنّها تشغلُ القلبَ، وتورثُ النفاقَ».
آثار العداوة والخصومة
١- تعب النفس وقلق القلب
الإنسان حين يحمل في قلبه الكراهية يعيش توتراً دائماً، لذلك قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:
«إيّاكم والمراءَ والخصومةَ، فإنّهما يُمرضانِ القلوبَ».
ورد في الكافي.
فالخصومة تسرق راحة القلب، وتجعل الإنسان يعيش مضطرب النفس، سريع الغضب، قليل الطمأنينة.
٢- ضياع الجهود والطاقات
الخصومات تجعل الإنسان منشغلاً بالانتقام وإيذاء الآخرين، بدلاً من الانشغال بالبناء والتطوير.
ولهذا قال الإمام علي عليه السلام:
«مَن زرعَ العدوانَ حصدَ الخسرانَ».
وردت في غرر الحكم ودرر الكلم.
فالعداوة لا تنتج نجاحاً حقيقياً، بل تستنزف الطاقات وتجرّ الخسائر.
٣- الوقوع في الذنوب
كثيراً ما تدفع الخصومة الإنسان إلى الغيبة والكذب والظلم والسبّ والتشهير.
ولذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«مَن بالغَ في الخصومةِ أثِمَ، ومَن قصَّرَ فيها ظُلِمَ».
ثم قال عليه السلام:
«ولا يستطيعُ أن يتّقيَ اللهَ مَن خاصمَ».
فالخصومة الشديدة تُدخل الإنسان في دائرة الذنوب وهو لا يشعر.
أثر المحبة في قوة المجتمع
المجتمع الذي تسوده الرحمة والتعاون يكون مجتمعاً قوياً متماسكاً، أما المجتمع الذي تنتشر فيه الأحقاد والخصومات فإنه يضعف ويتفكك.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
سورة الأنفال: 46
أي تذهب قوتكم وهيبتكم ووحدتكم.
وقد قال رسول الله ﷺ وآله :
«المسلمُ أخو المسلمِ، لا يظلمهُ ولا يخذلُهُ ولا يحقرُهُ».
إن الإنسان خُلق ليعيش بالمحبة لا بالعداوة، وبالتعاون لا بالصراع. وكلما كان قلب الإنسان أصفى، وعلاقته بالناس أرحم، كانت حياته أسعد وأقرب إلى رضا الله تعالى.
فالقلوب لا تُفتح بالقوة، بل بالأخلاق، والكلمة الطيبة، والرحمة، والعفو، وحسن المعاملة.
وكما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:
«رأسُ العقلِ بعدَ الإيمانِ باللهِ مُداراةُ الناسِ».
