بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾[1].
القرآن ليس كتاباً مجازيّاً أو كتاب ترف وطقوس ومراسم يسعى على أساس الخيال ليقبل الناس من شتّى الأصناف والطبقات بأيّ شكلٍ وعنوان، وأن يُمضي أعمالهم ويقرّها، بل هو الفرقان الذي يفصل بين الحقّ والباطل. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ...﴾[2].
وهو الفاصل والمفرّق بين سبيل السعادة وطريق الشقاء، وبين النور والظلمة، وهو الحادّ بين الحقيقة والمجاز، والواقع والاعتبار: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ* وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾[3].
أمّا المعرضون عن قبول أحكام القرآن ومعارفه وتعاليمه، الخاضعون لهوى أنفسهم والمعرضون عنه، فإنّ شقاءهم وتعاستهم نتيجة هذا الإعراض ستتّضح وتظهر، ومكنونات أنفسهم ستبدو للعيان أوضح وأجلى، وإصرارهم على الظلم والاستكبار والتجرّي سيزداد، ممّا يعقبهم زيادة في الخسران.
لقد شاءوا بمحض إرادتهم عدم متابعة النبي (صلّى الله عليه وآله) والإيمان به، وأبوا أن يهاجروا من أنفسهم إلى دار الإسلام والتوحيد، وأن يردوا فضاء المعرفة الواسع الفسيح.
فمن أين يتأتّى لأولئك الذين ظلّوا حبيسي أسوار المال والجاه والهوى والشهوة والغرور والامور التافهة الاخرى منكبّين لا يُقلعون، لكي ينساقوا لمتابعة رسول الله حين كان يتلو القرآن مشيراً إلى فضاء فسيح ولطيف من حدود الإنسانيّة والارتباط بالله والفناء في ذاته وهو مستغرق في ذلك العالم؟!
لذا، يعبدون المادّة ويقبعون في سجنها الضيِّق المظْلم.
لقد كان النبيّ الأكرم يحلّق في الفضاء الأقدس، تعرج به آيات القرآن إلى عالم الأسماء والصفات الإلهيّة اللامتناهي، وتحلّق به همّته المتعالية بعيداً في أعلى أجواء المعرفة والصفاء والنور.
فكيف سيمكن لهذا المسكين الحبيس في بئر الهوى والهوس، المتخبّط في شراك الأباطيل والشيطنة، أو لتلك الذبابة قصيرة النظر، بطيئة الطيران، سريعة الأذى والتعب، أن تحلّق إلى ذلك المكان الفسيح أو ترقى لتلك الذروة المنيعة، أو تنال تلك القمّة الرفيعة؟!
وهذا هو الحجاب الصلد، والسدّ الحديديّ بين العامل بالقرآن وتاركه، الذي سيوجد فيحجب، شاء المرء أم أبى.
فالمؤمن دوماً في عروج وارتقاء، ومَن لا يؤمن بالآخرة، هو في حال سقوط وتردٍّ أبديّ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾[4].
الطواغيت يريدون قرآناً وفق هوى أنفسهم، إنّ هؤلاء يخسرون دوماً صفاتهم الإيجابيّة، ويغيّرون الثروات والنِّعَم الإلهيّة من العمر والحياة والعقل والقدرة، ويستبدلونها بلذّات متغيّرة فانية، فهم في حال هبوط دائميّ في درك النفس ونار جهنّم وعذاب الجحيم.
فأيّ حجابٍ أشدّ من هذا؟ وأي سدّ وحاجزٍ أقوى وأكثر إحكاماً؟
إنّهم يخافون كلمة اللهُ أكْبَرُ وعبارة لَا إلَهَ إلَّا اللهُ فيهربون منها، لأنّهم يكرهون أن يصف النبيّ ربّه بالوحدانيّة، وكلّما ورد في القرآن التوحيد فوصف الخالق به، وبالتفرّد في الذات والصفة والفعل، ولّوا على أدبارهم نفوراً من كلمات الحقّ الصادعة هذه. لأنّهم اتّخذوا أرباباً من دون الله من أب وامّ وشريك ورفيق، وزوجة وابن، وحاكم ومحكوم، وراعٍ ورعيّة، وثروة وتجارة وزراعة، وحرفة وصنعة، و ... فصارت هذه آلهتهم وأربابهم فكيف سيتأتى لهم أن يعرضوا صفحاً عن آلهتهم هؤلاء، ليؤمنوا بكلّ وجودهم بالله الواحد القهّار؟!
فقُل لهم أيّها النبيّ الكريم: إنّ القرآن كتاب التوحيد الذي جاء ليجتاز بكم مرحلة البهيميّة إلى افق الإنسانيّة المشرق الوضّاء، وهو كتابٌ أرسله الله، لم يكن من صنع يدي أو من بنات أفكاري، لم آتِ به من عند نفسي أو أنشئه وفق رغبتي كي اغيّر فيه برأيي وذوقي، بل إنّ قلبي كالمرآة مقابل أنوار الحقّ تعالى، يوحي إليه ما يشاء، ولو خطر لي مخالفة، مهما صغرت، لمسّني في ذلك العذاب الأليم. ودليلي الواضح على صدق دعواي هذه عيشي فيكم أربعين سنة اعاشركم وتعاشرونني، لم تسمعوا عنّي طيلتها جملةً من كلامٍ كهذا. فاعلموا، إذَاً، أنّ القرآن ليس من كلامي، بل هو وحي الله الذي نزل وأمرت بتلاوته عليكم وتبليغه لكم.
[1] سورة الإسراء، الآية: 45.
[2] سورة البقرة، الآية: 185.
[3] سورة الطارق، الآيتان: 13 – 14.
[4] سورة الروم، الآية: 7.
