بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ۚ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾[1].
﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا﴾، ذكر من الله تعالى لغيب مستقبلي تقع فيه أمة الإسلام من خلال رؤيا، وهو بلاءٌ وامتحانٌ تُمتحَنُ به هذه الأمَّة من بعده، ولم تتصدَّ الآيةُ المباركة ولا الآيات التي وقعتْ في سياقها لبيان ما هي هذه الرؤيا التي أشارت إليها الآية، وكذلك لم تتصدَّ لتحديد المراد من الشجرة الملعونة إلا أنَّ الروايات الواردة من طُرق أهل البيت (عليهم السلام) وكذلك الروايات الواردة من بعض طُرق العامَّة أفادت أنَّ الرؤيا التي عنتها الآيةُ المباركة هي ما كان قد رآه الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) في المنام.
فقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ((رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في منامه بني أمية يصعدون على منبره من بعده ويضلون الناس عن الصراط القهقري، فأصبح كئيبا حزينا، قال: فهبط عليه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا رسول الله، ما لي أراك كئيبا حزينا؟ قال: يا جبرئيل، إني رأيت بني أمية في ليلتي هذه يصعدون منبري من بعدي ويضلون الناس عن الصراط القهقري، فقال: والذي بعثك بالحق نبيا إن هذا شيء ما اطلعت عليه، فعرج إلى السماء، فلم يلبث أن نزل عليه بآي من القرآن يؤنسه بها قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ* مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ وأنزل عليه ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ جعل الله عز وجل ليلة القدر لنبيه (صلى الله عليه وآله) خيرا ﴿مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ملك بني أمية))[2].
ومن هنا يتّضح أي أشخاص رَقوا منبر النبيّ. ذلك المنبر الذي ينبغي أن يرتقيه عليّ وأولاده، وأن يكون مناراً لتعريف القرآن، وأحكام الإسلام، وترويج الحقّ، والقضاء على الباطل. وإذا هو محلّ لإلحاق أولاد الزنا بحكّام الجور والظلم، ويصعد عليه أمثال معاوية ليدعوا الناس إلى إضفاء الطابع الرسميّ على الزنا؛ وتحقّقت رؤيا النبيّ الأكرم المتمثّلة بنزو القردة على منبره، وهذه القردة هم بنو اميّة، وهم الشجرة الملعونة الوارد ذكرها في القرآن الكريم: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾.
أجمعت الروايات في تفسير هذه الآية المباركة على أنّ المراد من الشجرة الملعونة أي: المغضوب عليها، البعيدة من رحمة الله بني اميّة الذين صعدوا على منبر النبيّ ثمانين سنة، ودعوا الناس إلى الضلالة.
وليعلم ثانياً أنّ زياد بن عُبَيد الله مع ما كان يتمتّع به من الشجاعة والمتانة والرزانة والدراية قد رضي أن يدعو نفسه ابن أبي سفيان من الزنا، ويتباهى بذلك حبّاً للرئاسة؛ ذلك أنّ العصر كان عصر الأمويّين. وكان معاوية بن أبي سفيان يُذكَر في الخطب والرسائل في أرجاء العالم الإسلاميّ على أنّه أمير المؤمنين، وكان لأبي سفيان، والد مثل هذه الشخصيّة، مقام سامق وكريم عند عامّة الناس. وكان الفخر ببنوّة مثل هذا الرجل أخ السلطان والحاكم يومئذٍ وإن كان فيه وصمه عار الزنا نقطة انعطاف في حياة زياد المتهافت على الدنيا، الطالب إيّاها، من أجل بروز وظهور ما يخفيه في ضميره، وما تنطوي عليه نفسه.
وزياد هذا هو الذي قال لأبي مريم السَّلوليّ من على المنبر: لا تشتم امّهات الرجال! وقال في أبيه عُبَيْد: أبٌ مَبرُورٌ ووَالٍ مَشْكُور، وهو الذي كان يكتب في رسائله: مِنْ زِيَادِ بْنِ أبي سُفْيَانَ إلى فُلَانٍ ... وبلغ تعدّيه وانتهاكه المنطلِق من حبّ الحكومة والرئاسة أنّه سمّى عليا (عليه السلام) فاسقاً، وخاطب الإمام الحسن بالحسن ابن فاطمة امتهاناً له، وأساء الأدب في رسالة بعثها إلى الإمام حتّى أنّ معاوية تعجّب وغضب لمّا أرسل إليه الإمام تلك الرسالة، فأرسل إلى زياد رسالة نابية يعنّفه فيها على ما كتب به إلى الإمام الحسن (عليه السلام).
[1] سورة الإسراء، الآية: 60.
[2] الكافي، ج 4، ص 194.
