بسم الله الرحمن الرحيم
اللّٰهُمَّ صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَعَجِّلْ فَرَجَهُمْ وَألعَن عَدِوَّهُم
السَلامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُه
مِن صُورِ الإخلاصِ والوفاء والتسليم عند مولاتِنا أُمِّ البنين لإمامِ زمانِها:
أنّها لمّا دخل الشاعر بِشْرُ بنُ حذلم إلى المدينةِ ناعياً سيّدَ الشهداء..خرجت تسألُ عن الحسين مذهولةً عن أبنائها الأربعة!!
فلمّا سأل عنها بِشْر قِيل له: هذه أمُّ البنين،
فقال لها:
عظّم اللهُ لكِ الأجرَ بولدِك جعفر،
ثُمّ بعثمان.. ثُمّ بعبدالله،
وهي تقولُ له في كلِّ مرّةٍ يذكرُ فيها واحداً مِنهم:
أخبرني عن حبيبي الحسين!
فتعجّبَ بِشْرٌ مِنها..فهُو الّذي دخل المدينةَ ينعى الحُسين -كما أمَرَهُ إمامُنا زينُ العابدين-
ولكنَّ أمَّ البنين كانت في حالةِ دهشةٍ وذُهولٍ مِن وقعِ هذا الخبر.. فكانت تسألهُ عن الحُسين!
إلى أن قال لها بِشْر:
عظّمَ اللهُ لكِ الأجرَ بأبي الفضلِ العبّاس!
فوضعت يدَها على خاصِرتِها وسقَطَ الطِفلُ الّذي كانت تحمِلُهُ مِن على عاتقِها وقالت:
واللهِ لقد قطّعتَ نياطَ قلبي، أخبرني عن الحُسين!
فهُنا قال لها بِشْر: عظّم اللهُ لكِ الأجر بأبي عبدالله الحسين!
فرجعتْ مُولولةً صارخةً مفجوعةً، تندبُ الحسين"صلواتُ اللهِ عليه"
وَمضةُ تفكُّر:
بِشرُ بن حذلم لم يكن في مَرتبةٍ إيمانيّةٍ عالية..لذلك أخذ يُخبِرُ أمَّ البنين عن أبنائها واحداً تِلو الآخر،
أمّا أُمُّ البنين فكان كُلُّ وُجودِها وكُلُّ عقلِها وفِكرِها وكُلُّ قلبِها ومشاعرِها مُتوجّهٌ نحو الحُسين،
مُتوجّهٌ نحو إمامِ زمانها،
إنّها تُرِخِصُ كُلَّ ما في الوجودِ لأجلِ إمامِ زمانِها "الحُسين"
فقد تعلّقت أمُّ البنينِ بسيّدِ الشُهداءِ تعلُّقاً وارتباطاً لا نَجِدُ عباراتٍ يُمكنُ أن نَصِفَ بها طبيعةَ هذا التعلُّق!
وهذا درسٌ لنا مِن مولاتِنا أُمِّ البنين نتعلَّمُ مِنها كيف نرتبِطُ أشدَّ الارتباطِ بإمامِ زمانِنا وكيف نكونُ أوفياءَ ومُخلصينَ لإمامِ زمانِنا، ونبذلُ كُلَّ شيءٍ في سبيلِ إمامِ زمانِنا،
فأمُّ البنين هي أُسوتُنا وقُدوتُنا ودليلُنا في طريقِ معرفةِ إمامِ زمانِنا وفي ساحةِ خدمتِهِ ونُصرتِهِ
لاحظوا تمامَ تسليم أُمِّ البنين لإمامِ زمانِها :
فهي لا تلتفتُ لأيِّ أحدٍ غيرَ الحسين مهما علتْ منزلتُهُ،حتّى العبّاس!
وأمُّ البنين تعرِفُ مقامَ أبي الفضلِ العبّاس وعُلُوَّ شأنِهِ،
فهذا المقام الرفيعُ لقمرِ بني هاشم هو سِرٌّ مِن أسرارِ أُمِّ البنين؛
فأمُّ البنين فنت في الفِناء الفاطمي، وانقطعت إلى الزهراء..فصارت رحمتُها فاطميّةً، وصار حنانُها حناناً فاطميّاً،
وهذا المعنى عُصارتُهُ وخُلاصَتُهُ ظهرت في "قمرِ بني هاشم"عليه السلام.
فإن اخلاصُ أُمِّ البنينِ وخُلوصُها وانقطاعُها للصِدّيقةِ الزهراء عليها السلام قد ظهر في الّذي اسمُهُ:
"أبو الفضلِ العبّاس"عليه السلام.
ولذا لم تلتفت أُمُّ البنين إلى العبّاس ولم تسأل عنه حين عادت قافلةُ الحُسين إلى المدينة، فهي لا تجدُ للعبّاسِ -على علوِّ شأنه- لا تجد له قيمةً بالقياس إلى إمامِ زمانِها،
فهي تعلمُ جيّداً أنّ الحُسينَ لا يُقاسُ به أحد،
وأنّ كُلَّ ما عند أبي الفضلِ العبّاس مِن مقاماتٍ ومنازل ما هي إلّا نفحةٌ مِن حُسينٍ وآلِ حسين،
ولِذا لم تسأل أمُّ البنينِ بِشرَ عن حالِ أبي الفضل،
لأنّ فِكرَها وبوصلةُ قلبِها وكُلَّ كيانِها مُتوجّهٌ نحو الحسين فقط (نحو إمامِ زمانِها)
أُمُّ البنينِ قدّمت العبّاسَ قُرباناً وفداءً في فناءِ إمامِ زمانها،
مِن هُنا نتعلّمُ مِن أُمِّ البنين دروسَ الوفاءِ ودروسَ الإخلاصِ والخُلوص، ودروسَ الانقطاعِ التامِّ لإمامِ زمانِنا.
أأنسَاهــــا وبِشْـــــرٌ راحَ يَرثـــي
غريبَ الطفِّ بالصَوتِ الحزيــنِ
تُناشِــدهُ وقد سَمِعتْــــهُ ينعـــى
وتســــألُهُ عنِ السِبـطِ الأميــــنِ
أجابَ بنوكِ قد ذُبحوا ظمايــــا
فقالتْ بشْــرُ دَعْكَ من البنــــينِ
وأخبرني أظَلَّ السِبـطُ حَيَّـــــــاً
فمُذ رحَلَ، الكَرَى جافَى عُيوني
بكى بشْــــرٌ ونـادى بافتجــــاعٍ
حُسـينُ ماتَ مقطـــوعَ الوتينِ
فصاحتْ واحبيبــــاً واحسينـــاً
ونادَت: يا ابنةَ الهادي اعُذرِيني
لقــــد قدَّمتُ أولادِي جميعــــــاً
لِيَسْــــلَمَ.. إنّمــا خابتْ ظُنُونــي
يا بقيّةَ الله:
نُقسِم عليك بأحزانِ أمّ البنين وبمدامعِ أمِّ البنين وبوفاءِ أمِّ البنين وإخلاصِ أمِّ البنين وانقطاعِها إلى الزهراء وآلِها الأطهار
أن ترزُقَنا معرفتَك وتُوفِّقَنا لخدمتِك .
اَللَّهُمَّ اكْشِفْ هَذِهِ الْغُمَّةَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ بِحُضُورِهِ وَعَجِّل لَّنَا ظُهُورَهُ
(إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً).
