بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾[1].
يوجد ترابط دقيق بين هذه الآية والآية السابقة لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، وهو بيان مقدر لمصير من أوتي كتابه بشماله والمعبر عنه بأسلوب المقابلة مع من أوتي كتابه بيمنيه في قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ...﴾؛ أي أنّ من لم يفتحوا أعين بصائرهم في الدنيا، فقضوها عُمْياً لا يبصرون شيئاً من الامور المعنويّة، أسرى شهواتهم وهواجسهم النفسانيّة، سيكونون في الآخرة عُمْياً، لا يهتدون سبيلًا، أي أنّ الشمال المقابل لليمين ليس إلّا الشقاء وعمى الباطن الضلال.
فالإمام إذاً غير اليمين وجهة السعادة، وغير الكتاب وصحيفة الأعمال.
وسيُدعى السعداء بواسطة إمامهم، فيصلهم كتابهم من جهة سعادتهم؛ ومثل الإمام مثل المغناطيس الذي يجذب [ضمن مجاله المغناطيسيّ] جميع الأشياء المماثلة لطبيعته، وكما يجتذب المغناطيس ذرّات الحديد ولا يجتذب ذرّات النحاس والنيكل والخارصين، فإنّ أئمّة الحقّ والعدل يجتذبون أتباع الحقّ والعدل، أمّا أئمّة الباطل فيجتذبون المنحرفين المعتدين أتباع الباطل.
وبينما يختلط الجميع في عالم الكثرة والاعتبار في الهيئة الظاهريّة، فإنّهم يفترقون [بلحاظ النزعات الباطنيّة] إلى طوائف وفرق وملل متفاوتة، فتتبع كلّ طائفة إماماً معيّناً.
وسيدعو الله تعالى يوم القيامة [الذي تبرز فيه الحقائق وتتجلّى] كلّ طائفة بإمامهم، فيصل كتاب السعداء إليهم من جهة السعادة، ويُدعَون بواسطة إمام الحقّ والسعادة.
أمّا الأشقياء فيصلهم كتابهم من جهة الشقاء، ويدعون بواسطة إمام الباطل والشقاء.
ومن هنا فإنّ إمام الحقّ السعيد له صفة السعادة وهي اليمين، وهذا اليمين (أي السعادة) هو نعت الإمام وصفته.
لذا فإن تفريع ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾، هو تفسير لـ ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾.
تقول الآية: إنّ الإمام باعتباره يمثل مركز اجتذاب مَن يشاكلونه ويماثلونه في السنخيّة، فإنّ مَن لهم سنخيّة مشهودة في الرحمة والعافية سيدعون بواسطة إمام الحقّ.
أمّا إمام الباطل الجائر الشقيّ، فإنّه سيدعو بصفة الشقاء من يشاكله ويجانسه فيجمعهم حوله.
فهي تقول: ﴿بِإِمامِهِمْ﴾، ولا تقول إلى إمامهم، كما تقول في شأن الكتاب: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾[2]، ولا تستخدم بكتابها، فهي إذاً قد استعملت باء السببيّة بالنسبة إلى الإمام، بينما استعملت لفظ إلى بالنسبة إلى الكتاب، فتكون الدعوة بالإمام غير الدعوة إلى الكتاب.
ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): ((أشد العمى من عمي من فضلنا وناصبنا العداوة بلا ذنب سبق إليه منا إلا أن دعونا إلى الحق ودعاه من سوانا إلى الفتنة والدنيا فأتاهما ونصب البراءة منا والعداوة))[3].
وورد عنه (عليه السلام): ((اللهمَّ بلى لا تخلو الأرض من قائمٍ لله بحجَّةٍ، إما ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مغموراً لئلا تبطلُ حججُ الله وبيِّناتُه))[4].
ويستفاد من ورود جملة ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾، بدلًا من جملة ﴿وأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾، أنّ أصحاب الشمال لا نور لهم في الآخرة، وأنّهم وإمامهم عُمْي لا يبصرون، التابع والمتبوع من أهل الشقاء عُمْيٌ بأجمعهم، التابع والمتبوع كلّهم يذهبون إلى جهنّم، العالم هناك بالنسبة إلى الأشقياء عالم العمى وفقدان البصيرة والضلال وانعدام النور، وعالم الحرمان من التطلّع إلى آيات الله وجماله، وقد تكرّر في القرآن الكريم تعبير «ضلّ» بالنسبة إلى أهل الشقاء؛ أي أنّهم سيضيعون ويعجزون عن المقاومة في عالم الأنوار.
وقد جعل العُمْيَ في هذه الآية مقابل أصحاب اليمين ليُفهم أنّ أصحاب اليمين هم أصحاب النور والبصيرة في عالم المعنى والتجرّد، إذ إنّهم امتلكوا البصيرة في الدنيا، وستتجلّى هذه البصيرة فيهم يوم القيامة في هيئة إبصار ملكوتيّ.
وحين تشرع في التفصيل فتذكر أنّ السعداء يُساقون إلى السعادة بواسطة إمامهم، وتجعل [في المقابل] على الأشقياء يوم القيامة إمام الباطل وكتاب عماهم، كتاب الشقاء، فيتّضح بجلاء أنّ أئمّة الباطل لا نور لهم.
[1] سورة الإسراء، الآية: 72.
[2] سورة الجاثية، الآية: 28.
[3] الخصال للشيخ الصدوق، ج 2، ص 633.
[4] نهج البلاغة، ص 497.
