بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾[1].
ما يعقله كل مسلم هو بأنّ الدين الذي جاء به رسول الله هو دين الحقّ الذي لا يأتيه العبث والباطل، ويستطيع أن يلبّي حاجات الناس جميعهم؛ ويقودهم نحو الكمال الحقيقيّ والتوحيد المطلوب.
الإسلام دين التوحيد؛ إذ أنّ كافّة تعاليمه الأخلاقيّة والعلميّة نزلت على أساس التوحيد؛ فهو مُقَنّنها ومشرّعها، ووضعت هذه القوانين للوصول إليه، وما نزلت إلّا على أساسه، وإذا ما طُبقّت، فهي تسمو على أساسه أيضاً.
والإسلام انبثق من التوحيد، والتوحيد يعني أن يرى أنّ جميع الكائنات بلا استثناء تخضع لعلم الله وقدرته وتأثيره، وأنّ الله هو المؤثّر في جميع عوالم الوجود، وأنّه لا قيمة ولا استقلال لأيّ أحد في وجوده حيال الخالق جلّ شأنه، فقد وضعت التعاليم الإسلاميّة كلّها على أساس هذا المبدأ.
والإنسان المسلم المتمسّك بهذا القانون يرى نفسه مرتبطاً بعالم الوجود كلّه، غير مُعْرِضٍ عن أحد، يألف الجميع ويأنس معهم، ويلتذّ في معاشرته للناس، وصلة الأرحام، وعيادة المرضى وقضاء حوائج الناس، والألفة مع الفقراء والمساكين، وبذل الأموال من أجل راحة الآخرين ورفاتهم، وتعاليم اخرى كثيرة تربط الإنسان مع الكائنات جميعها، وكأنّه قطعة واحدة لا تقبل الانفصال عن مصنع الوجود.
وجاءت التعاليم الخاصّة في القرآن المجيد مرتكزة على أساس أخلاقيّ صحيح إلى الحدّ الذي لو طُبّقت فيه، فإنّها ستستوعب عالماً من الرحمة والعطف، تقول تلك التعاليم مثلا بأنّ الإنسان إمّا يمسك زوجته بإحسان، أو يسرّحها بإحسان، ولا يضيّق عليها، ولا يأخذ ممّا آتاها من الصداق ديناراً واحداً حتى لو كان مقداره قنطاراً من الذهب والمجوهرات ولا يضغط عليها، ولا يؤذيها حتى تتنازل عن مهرها؛ فالطلاق في الحقيقة مقارن للرحمة والمودّة.
يقول الإسلام بأنّ المسلم ينبغي له أن يحسن الظنّ بالآخرين، وينظر إلى إخوانه المؤمنين وجميع الكائنات من حيث ارتباطها بالله ومبدأ التوحيد نظرة طيّبة.
فعلى المسلم ألا يلهث وراء حبّ الظهور، ولا يميل إلى الاستكبار، وينفق أمواله على الفقراء والمساكين، ولا يكنز الذهب والفضّة، ولا يملأ حبّ الدنيا قلبه ويجدّ ويعمل ويقدّم حصيلة أتعابه إلى البُؤَساء والمعدمين ابتغاء مرضاة الله وبلوغ أعلى درجات الإنسانيّة.
وهذه القوانين كلّها رحمة، قد نبعت من التوحيد منسجمة مع روحه في كافّة ميادين الحياة ولو طبّقها الإنسان، فسترفعه إلى التوحيد، وتوصله إلى مبدئه ومنشئه.
على عكس القوانين المضادّة للتوحيد، فإنّها شاء الإنسان أم أبى مرتكزة على أساس التفرقة، والنفعيّة، والمصلحيّة، وتحقيق الأرباح.
ونلمس هذا واضحاً حتى في البلدان المتطوّرة، إذ تلهث وراء مصالحها، لا يهمّها ما تعانيه الدول الاخرى من فقر وحرمان، فهدفها هو تحقيق الأرباح لصالحها، وبهذا فهي ترى نفسها منقطعة عن عالم الوجود. ﴿.. وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ* مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ..﴾[2].
فالمبادئ والسنن التي لا تعتمد على التوحيد، ترى أنّ الإنسان هو المؤثّر في الوجود.
والشرك مهما كانت درجته فإنّه يقحم غير الله في عالم الوجود، وحصيلة ذلك أنّه يرى غير الله مؤثّراً، ويرى الله منفعلًا ومتأثّراً، والإنسان المتكئ على أفعاله، نبذ الله بزعمه وراء ظهره فرآه منفعلًا، والغفلة عن الله أيضاً درجة من الشرك ولها نفس الأثر.
في ضوء ما تقدّم، فكلّ إنسان بلغ مقام التوحيد الحقيقيّ واليقين الكامل، فإنّه نال درجة الإنسانيّة.
وإذا لم يبلغ ذلك المقام، فهو ناقص؛ وبحاجة إلى تربية، وينبغي أن يكون معلّم الناس إنساناً كاملًا، فالناقص لا يستطيع أن يعلّم الناس ويقودهم نحو الكمال، والهدف من الدين ليس مجرّد القيام ببعض الأعمال الصالحة.
فهل يستطيع لذلك بدون إمامٍ ومربّ؟ وهل انتهت عمليّة التربية والتعليم بعد وفاة النبيّ الأكرم؟ وهل أنّ اللطف الإلهيّ كان فقط في عصر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثمّ ترك الله الامّة بعده مهملة ضائعة غير ملتزمة؟ والجواب: العملية مستمرة بوجود أئمة الهدى وآخرهم إمام العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف وذلك قوله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾.
[1] سورة الإسراء، الآية: 81.
[2] سورة الروم، الآيتان: 31-32.
