بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾[1].
الآية الشريفة تؤكد على أنّ النفس الإنسانيّة الناطقة باقية على الدوام، وأنّ النفس تذوق أنواع العذاب طوراً بعد طور، وحالًا بعد حال، كما كانت وهي حيّة في عالم الدنيا بحالات المعصية المختلفة التي كانت تعتريها الواحدة تلو الاخرى.
ولأن الناس يحشرون كما عاشوا فليحشر هؤلاء العمي البكم الصم ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾، كما عموا تعاميا عن بصائر الله، وابكموا خرسا لا يتكلمون عن آيات الله، وإنما لإبطالها وفصلها عن عباد الله، وصموا عن الاستماع الى كلمات الله، فهم أولاء يحشرون كما عاشوا ولا يظلمون نقيرا!
إن الوجه ببصره ولسانه واذنه مخلوق لحكمة المواجهة للحقائق أن يمشي به الإنسان سويا على صراط مستقيم، فمن يمشي في حياته مكبا على وجهه في الاولى سوف يحشر مكبا على وجهه في الاخرى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾[2].
﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾، كما حشروا أنفسهم يوم الدنيا على وجوههم! ف «الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم» وترى إذ يحشرون هكذا فكيف الترائي والتسامع والتلاسن بين اهل الجنة والنار، وبين أهل النار أنفسهم مع بعض؟ إن حشرهم هكذا عذاب فوق العذاب، ومن ثم بعد حشرهم يتبدل عذابهم هذا بآخر فيه يبصرون ويسمعون ويتكلمون كعذاب أخر فوق العذاب، ففقدهم لهذه الثلاث يوم حشرهم عذاب، ووجدانهم لها بعد حشرهم في نارهم عذاب أخر فوق عذاب!
وعلى اية حال ف: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾، سكن لهبها وصار عليها خباء وغشاء من رمادها أم ماذا ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾، كما الأوّل، فإن السعير بعد الخباء زيادة على الخباء، لا زيادة للسعير على ما كان قبله، زيادة العذاب! ولماذا يزيدهم سعيرا على سعيرهم؟ أَلا لأنهم أخبوها؟ وليس منهم ولن! أو أنهم كانوا يستحقون هذه الزيادة من قبل؟ فلماذا لم تحق لهم من قبل؟ فلتكن زيادة السعير زيادة بعد الخباء بإعادة مثل السعير!، وعلّه كما تعاد جلودهم التي نضجت لتنضج تلو الأخرى: ﴿.. كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ..﴾[3]، ففاعلية كل سعير هي نضج الجلود، ثم تبدل جلودا غيرها فزيدوا لنضجها سعيرا، سعير تلو سعير لنضج تلو نضج دون أن يخفف عنهم العذاب أو يفتروهم فيه مبلسون! ولماذا تداوم السعير دون فتور في عذابهم؟
وممّا يثير العجب هو أنّ الآية المباركة التالية التي وردت في موضعين من القرآن الكريم: ﴿جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾[4]، تدلّ على أنّ جهنّم موجودة ومخلوقة فعلًا، لا أنّها ستخلق فيها بعد؛ لأنّ ﴿مُحِيطَةٌ﴾، اسم فاعل، والعارفون بالعربيّة وآدابها يصرّحون بأجمعهم بأنّ المشتقّ حقيقة في مَن تَلَبَّسَ بِالمَبْدَأ؛ فيكون حاصل المعنى أنّ جهنّم محيطة بالكافرين فعلًا، لا أنّها ستخلق يوم القيامة فتحيط بهم، وإلّا لوجب أن يقال: وإنَّ جَهَنَّمَ لَتُحِيطُ بِالكَافِرِينَ.
لا عرضيّاً؛ أي أنّ تلك العوالم متداخلة وليست متعاقبة كتعاقب حبّات المسبحة.
ومن هنا، فإنّ هذه الدنيا بكلّ ما فيها من أفعال قبيحة، ونوايا فاسدة وآراء كاسدة، وتوغّل في الكثرات، وانصراف عن الحضرة الأحديّة والذات الأحديّة إنّما تمثّل جهنّماً، كلّ ما هنالك أنّ حقيقتها وحقيقة نارها وسعيرها وشهيقها وزفيرها لا تُرى إلّا برحيل الإنسان عن الدنيا، أو بإزاحة الستار عن أعينه الحولاء، لتصبح مقولة: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾[5]، جليّة أمامه وجداناً وشهوداً.
أمّا لو أنكرنا هذا الأمر، وقلنا بأنّ النار هي غير حقيقة تجسيم الأعمال فأنّى سيمكننا القول بأنّها موجودة فعلًا، وبأنّ موضعها على هذه الأرض؟ إذ سيكون كلامنا آنذاك لغزاً بلا حلّ، وسيكون أشبه بقول القائل بأنّ أنياب الأغوال هي مادّيّة وموجودة فعلًا، إلّا أنّنا لا نراها!
[1] سورة الإسراء، الآية: 97.
[2] سورة الملك، الآية: 22.
[3] سورة النساء، الآية: 56.
[4] سورتي التوبة والعنكبوت، الآيتان: 49+54.
[5] سورة ق، الآية: 22.
