مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ﴾

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الاشتر
    مشرف قسم المنوع

    • 27-02-2022
    • 2868

    #1

    مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ﴾

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
    اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد


    قال الله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا[1].

    يعني: «يا أيّها النبي! قل للمشركين: إن نفسكم الخبيثة ونفسكم البخيلة ونفسكم الشقيّة لو ملكت جميع خزائن رحمة ربّنا ومُنحت مفاتيح جميع خزائن الدنيا (خزائن القمح، وخزائن الشعير، وخزائن الزيت، وخزائن الذهب، وخزائن السعادة، وخزائن الدواء، لو أعطيتم جميع هذه الخزائن) فإنّ قلبكم لن يطاوعكم أن تنفقوا، بل سيخاف من الإنفاق!». [إنّ المال] لا يقل [بسبب الإنفاق] بل يزداد أيضًا!
    ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ﴾، وليست خزينة واحدة، بل خزائن الرحمة برمّتها! فلا يتعلّق الأمر بخزينة الذهب والفضّة والفيروز والنفائس، بل لو كانت جميع خزائن الرحمة مملوكة لكم، وقيل لكم: «أنفقوا»، لما فعلتم؛ لأنّك أنت هو أنت! فقد كنت غارقًا في هذه الأنا التي تملكها الآن؛ وأمّا إذا استطعت الخروج منها، فإنّك ستلجأ للإنفاق؛ لكن، ما دمت أنت هو أنت، فحتّى لو منحوك الخزائن، فستبقى أنتَ: ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾، وستخشى من أنّك إذا أنفقت منها، فإنّها ستنقص.
    فأنت الآن خائف من أن تُنفق فينقص مالُك، وتتذرّع بقولك: «أنا لا أملك شيئًا!»؛ غير أنّ سبب ذلك لا يرجع إلى عدم امتلاكك لأيّ شيء، بل إلى أنّ نفسك تُعاني من مشكلة؛ أفهل إنّ جميع الذي يُنفقون هم من أصحاب الأموال؟! ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ فمن طبيعة الإنسان ومعدنه أنّه قتور، بحيث نجده يجمع كلّ ما يُعطى له؛ فهكذا هو الإنسان؛ وأمّا محمّد وآل محمّد فهم ليسوا قتورين، ولا ينطبق عليهم ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾، ولا ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾؛ فماذا ينطبق عليهم إذن؟ ينطبق عليهم ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾؛ لأنّ الله تعالى يقول: لقد خلقنا الإنسان بهذا النحو؛ لكن، يوجد هنا استثناء: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾، حيث وضع تعالى استثناءات صغيرة على تلك العبارة: «إلاّ الذين هم من المصلّين»؛ وعندئذ، نجده تعالى يُبيّن لنا بنفسه من يكون هؤلاء المصلّون: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ، وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّين...﴾
    [2].
    فيُبيّن لنا كافّة هذه الخصائص حتّى لا نظنّ أنّه إذا صلّينا ركعتين، فإنّه يجب أن ننتظر نزول الوحي علينا؛ فليس المراد من ذلك هذه الصلوات، بل المراد تلك الصلوات؛ فهي التي تُخرج الإنسان من ذلك المـُستثنى منه الذي يتّصف بالعموميّة، ويشمل أفراد الإنسان برمّتهم، ويستثني ثلّة منهم؛ ألا وهم: محمّد وآل محمّد؛ فجميع الناس والمدارس والاتّجاهات والكتب والفلاسفة والمذاهب وأمثال ذلك يأتون، ويرحلون؛ فهم بأجمعهم يُسترابون؛ أي أنّهم محل ريب وشبهة؛ في حين أنّهم (صلوات الله عليهم) لا يُكتنفون بأيّة شبهة؛ أي أنّهم بلغوا مقامًا، بحيث لو صدق عليهم ﴿تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾، لأنفقوا؛ هذا، مع أنّهم وصلوا فعلاً للخزائن، وأنفقوا.. أفمن المعقول ألاّ يكون الذي بلغ مقام التوحيد الإلهيّ، قد وصل إلى خزائنه تعالى؟!

    فماذا كان إنفاقهم؟ مع أنّ إنفاقهم ليس بأن يحملوا القمح والشعير، ويسكبونه في أكياس على الميزان، ثمّ يحملون هذه الأكياس، ويُنفقونها؛ كلاّ! فهم يُنفقون الآن على كافّة عالم الوجود؛ فأنفاسنا وحياتنا وإدراكنا ووجودنا وكلّ خليّة من أبداننا هي تحت الإشراف المباشر للإمام؛ فهي ليست فقط مسألة الإشراف؛ لأنّ هذا مجرّد تعبير وحسب؛ بل إنّ وجودنا مندكّ في وجودهم، حيث إنّ الإمام محيط بكلّ ذرّة من علمنا، وحياتنا، ورزقنا، وحركات أيدينا، وهزّات رؤوسنا، وأفكارنا، وآرائنا، وحركاتنا، ومقاصدنا، وأهدافنا؛ كما أنّه (عليه السلام) مهيمن وجوديًّا على كلّ ذرّة من هذه الشجرة التي تهتزّ، وهذا الماء الموجود في داخل الإناء، وهذا الإدراك المكنون في باطن السادة المحترمين، وهذا العالم بأجمعه الذي يُعمل على إدارته، وهذه الجبال الصلبة والقاسية، وهذه الغيوم التي تسبح في السماء؛ فهذا هو الذي يُقال عنه إنّه إنفاق؛ فالمراد من الإنفاق هنا إيجادُ عالم الكثرة، والإنفاقُ تدريجيًّا في عالم المحو الإثبات من اللوح المحفوظ وأمّ الكتاب، حيث يظهر لدينا هذا الإنفاق عن طريق الأمور اليوميّة.

    [1] سورة الإسراء، الآية: 100.
    [2] سورة المعارج، الآيات: 19 – 26.


المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...