بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾[1].
الآية الكريمة هذه اختصت ببيان أنّ رسول الله هو حقيقة القرآن، وأنّ حقّانيّة القرآن ممثّلة في نزول حقّانيّة رسول الله في البشارة والإنذار.
وعلى هذا الأساس فقد قال أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين في حرب صفّين التي رفع فيها معاوية بخديعة عمرو بن العاص المصاحفَ على الرماح: ((إِنَّا لَمْ نُحَكِّمِ اَلرِّجَالَ وَإِنَّمَا حَكَّمْنَا اَلْقُرْآنَ وَهَذَا اَلْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ اَلدَّفَّتَيْنِ لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانٍ وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ))[2]، وقال (عليه السلام) في حديث آخر ((هَذَا كِتَابُ اَللهِ اَلصَّامِتُ وَأَنَا كِتَابُ اَللهِ اَلنَّاطِقُ))[3].
لكنّ العوامّ لا يرون إلّا الظواهر، ولا تنفذ عقولهم إلى اللبّ والحقائق، فما يرونه في الظاهر يعدّونه ملاكاً للحقّ، لذا لم يُصغوا إلى أمره (عليه السلام) وأحاطوا به قائلين: سلِّم لحُكم الحكمَين وحكِّم القرآن، وإلّا جعلناك طعمة سيوفنا العشرة آلاف فقطّعناك إرباً إرباً. قال: أمهلوني ساعة، فقد أشرف الأشتر على الفتح ووصل إلى معسكر معاوية. قالوا: لا مهلة في الأمر أبداً.
فالخفّاش ينكر وجود الشمس! هذه الشمس الموجودة التي تمنح نورها الشرق والغرب؛ فليس إنكاره إلّا حجابه هو، وضعف بصره وعماه، ولم يكن له أن ينكر الشمس، بل كان عليه أن يعالج عينه.
يقول المامقانيّ: ولقد أجاد الخَلِيلُ العَرُوضِيُّ النَّحْوِيُّ لمّا سُئل: مَا تَقُولُ في عليّ بْنِ أبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)؟ قال: مَا أقُولُ في حَقِّ امْرِئٍ كَتَمَتْ مَنَاقِبَهُ أوْلِيَاؤُهُ خَوْفاً وأعْدَاؤُهُ حَسَداً؛ ثُمَّ ظَهَرَ مِنْ بَيْنِ الكَتْمَيْنِ مَا مَلأ الخَافِقَيْنِ.
والفرقان، من مادّة فَرَقَ يَفْرُقُ فَرْقَاً وفُرْقَانَاً، من التفريق بين الأجزاء، ومعنى الآية: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ هو أنّا فصّلنا القرآن جزءاً جزءاً وأتقنّاه وأحكمناه.
وقال العلامة الطريحي (رحمه الله): [الفرقان: القرآن، وكل ما فُرِّقَ به بين الحق والباطل فهو فرقان][4]، كما في قول الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾[5].
وعلى هذا فإنّ مصدرها الفُرْقَان بمعنى الفارق والفارق بين الحقّ والباطل؛ وبما أنّ هذا الكتاب السماوي المبين كتاب فصل وليس بالهزل، وكتاب حقّ لا باطل، فهو الفاصل والمميّز والمفرّق بين الحقّ والباطل.
وقد وردت لفظة الفرقان في سبعة مواضع من القرآن الكريم، وكانت تعني في تلك المواضع جميعاً القدرة على تشخيص الحقّ من الباطل، والنور والبصيرة الحاصلة للمؤمنين إثر التقوى.
والقرآن الشامل لجميع المعارف سواء ما كان قد اوحي للأنبياء السابقين وما بُيّن واوحي إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فهو أعمّ وأشمل وهو فرقان أيضاً.
ويستفاد من الروايات الواردة عن الأئمّة المعصومين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) أنّ القرآن يطلق على مجموع الآيات الإلهيّة، المحكم منها والمتشابه، في حين يطلق الفرقان على الآيات المحكمة خاصّة.
يقول العلامة الطباطبائي في تفسيره: [وفي الكافي ((عمن سأل الصادق عليه السلام عن القرآن والفرقان أهما شيئان أو شيء واحد؟ فقال: القرآن جملة الكتاب، والفرقان الحكم الواجب العمل به))[6]. وفي الجوامع عنه (عليه السلام): ((الفرقان كل آية محكمة في الكتاب))[7].
وفي تفسيري العياشي والقمي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((الفرقان هو كل أمر محكم في القرآن، والكتاب هو جملة القرآن الذي يصدق فيه من كان قبله من الأنبياء))[8].
أقول: واللفظ يساعد على ذلك][9].
وفي دعاء ختم القرآن للإمام زين العابدين (عليه السلام):
((اللَهُمَّ إنَّكَ أعَنْتَنِي عَلى خَتْمِ كِتَابِكَ الذي أنْزَلْتَهُ نُورَاً؛ وجَعَلْتَهُ مُهَيمِنَاً عَلَى كُلِّ كِتَابٍ أنْزَلْتَهُ؛ وفَضَّلْتَهُ عَلَى كُلِّ حَدِيثٍ قَصَصْتَهُ! وفُرْقَانَاً فَرَقْتَ بِهِ بَيْنَ حَلَالِكَ وحَرَامِكَ! وقُرْآنَاً أعْرَبْتَ بِهِ عَنْ شَرَائِعِ أحْكَامِكَ))[10].
[1] سورة الإسراء، الآية: 106.
[2] الاحتجاج، ج 1، ص 185.
[3] وسائل الشيعة، ج 27، ص 34.
[4] مجمع البحرين، ج 5، ص 224.
[5] سورة البقرة، الآية: 52.
[6] أصول الكافي، ج 2، ص 630.
[7] تفسير جوامع الجامع للطبرسي، ج 1، ص 159.
[8] تفسير العياشي، ج 1، ص 162.
[9] تفسير الميزان، ج 2، ص 26.
[10] الصحيفة السجادية، الدعاء الثاني والأربعون.
