بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ۚ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾[1].
في الآية الشريفة نهي عن المبالغة في الجهر بما يبلغُ حدَّ الصُراخ والمبالغة في الإخفات بما يصلُ إلى حدٍّ لا يسمع القارئ فيها نفسَه، فهي تأمرُ بالوسطية والاعتدال في القراءة، فليس المقصود من الجهر والإخفات المنهي عنه هو الجهر المأمور به في قراءة الصلوات الجهريَّة والإخفات المأمور به في قراءة الصلوات الإخفاتيَّة بل المقصود هو النهي عن المبالغة في الجهر والإخفات كما يدلٌّ على ذلك عددٌ من الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام).
منها: معتبرة سَمَاعَةَ قَالَ سَأَلْتُه عَنْ قَوْلِ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها﴾ ((قَالَ الْمُخَافَتَةُ مَا دُونَ سَمْعِكَ والْجَهْرُ أَنْ تَرْفَعَ صَوْتَكَ شَدِيدًا))[2].
ومنها: معتبرة إسحاق بن عمَّار عن أبي عبد اللهِ (عليه السلام) في قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها﴾ ((قال: الجهرُ بها رفعُ الصوتِ والتخافتُ ما لم تُسمعْ نفسك، واقرأ ما بين ذلك))[3].
فالمنهيُّ عنه في الآية هو الرفعُ الشديد والخفضُ الشديد، والمأمورُ به فيها هو الاعتدالُ والتوسُّط، وهو مفاد قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي اتَّخذ طريقًا وسطًا بين الرفعِ والخفض الشديدين وهو معنى قوله (عليه السلام): ((واقرأ ما بين ذلك)).
مع العلم بل ومن الواضح أن الآيةُ المباركةُ بحسب مستند الفقهاء هي ليست في إيجاب الإخفات في صلاتي الظهر والعصر وإيجاب الجهر في الباقي بل مستندُهم في ذلك هو الروايات الواردة عن الرسول وأهلِ بيته (صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين) فقد ثبت عنهم الأمرُ بالجهر في قراءة الركعتين الأُوليين من صلاة الصبح والعشائين، والأمرُ بالإخفات في صلاتي الظهر والعصر.
فالقراءةُ المأمور بها في كلٍّ من الصلوات الجهريَّة والإخفاتيَّة هي القراءةُ المعتدلة التي لا تكونُ صُراخًا ولا تكونُ إسرارًا بحيثُ لا يُسمعُ حتى نفسَه، نعم المطلوبُ في الصلوات الجهريَّة هو إسماع مَن هو قريبٌ منه، والمطلوبُ في الصلوات الإخفاتيَّة هو أنْ يُسمعَ نفسَه دون غيره ألفاظَ قراءتِه، فيصدقُ عرفًا على القراءة الأولى أنَّها جهريَّة وعلى الثانية أنَّها إخفاتيَّة وفي ذاتِ الوقت يصدقُ على القراءتين أنَّهما ليستا صراخًا وليستا إسرارًا بل هي بين بين، فكلٌّ من الجهرِ والإخفات في الصلوات المفروضة لا يخرجُ عن حدِّ الاعتدال المأمورِ في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.
فيتضح مما تقدم أن قوله عز وجل: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾، معناه أن لا تتجاوز في اعلان الصّوت عن المعتاد حين التّخاطب مع الاحباب بحيث تسمع من بَعُد عنك ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، بحيث لا تسمع نفسك، كذا فسّر في اخبارنا ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، متوسّطاً يعنى اقرأ قراءةً تسمعها نفسك ومن قرب منك ولا تسمعها من بعد عنك؛ فانّ السّمع له حقّ في الصّلاة وهو سماع اذكاره وسنّة الاحباب عدم الجهر بالخطاب، ولمّا كانت الصّلاة الحقيقيّة هي الولاية والنّبوّة قالبها والرّسالة قالب النّبوّة، وقبول الولاية والرّسالة من القوالب، وصورة الصّلاة القالبيّة والقلبيّة ايضاً من القوالب صحّ تفسير الصّلاة بكلٍّ منها، وصحّ جعل الخطاب عامّاً وخاصّاً بمحمّد (صلى الله عليه وآله)، وصحّ تفسير الاجهار والاخفات بما يناسب كلاًّ منها، وقد اشير الى التّعميم في بعض الاخبار.
يقول السيد الطباطبائي في تفسيره: [الجهر والإخفات وصفان متضايفان، يتصف بهما الأصوات، وربما يعتبر بينهما خصلة ثالثة هي بالنسبة إلى الجهر إخفات وبالنسبة إلى الإخفات جهر فيكون الجهر هو المبالغة في رفع الصوت، والإخفات هو المبالغة في خفضه وما بينهما هو الاعتدال فيكون معنى الآية لا تبالغ في صلاتك في الجهر ولا في الإخفات بل اسلك فيما بينهما سبيلا وهو الاعتدال وتسميته سبيلا لأنه سنة يستن بها هو ومن يقتدي به من أمته المؤمنين به][4].
[1] سورة الإسراء، الآية: 110.
[2] الكافي، ج 3، ص 316.
[3] وسائل الشيعة، ج 6، ص 98.
[4] تفسير الميزان، ج 13، ص 223.
