سر الخلود

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ابو محمد السيلاوي
    عضو ذهبي

    • 17-05-2013
    • 1476

    #1

    سر الخلود

    سر الخلود

    ماذا وجد الناس عند الحسين؟

    بسم الله الرحمن الرحيم

    ليست كل الأحداث التي يصنعها الإنسان، ولا كل الوقائع التي يسجلها التاريخ، قادرة على أن تهزم الزمن. فمعظمها يبدأ كبيرًا، ثم يتضاءل شيئًا فشيئًا حتى يصبح ذكرى في بطون الكتب، أو سطرًا يقرؤه الباحثون، أو أثرًا من آثار الماضي.

    غير أن هناك أحداثًا لا يزداد بها الزمن إلا حياة، ولا يزيدها مرور القرون إلا حضورًا، وكأنها ولدت لتعيش خارج حسابات التاريخ.

    وكربلاء واحدة من تلك المعجزات.

    فمنذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، وقف رجل في صحراء مقفرة، لا يملك جيشًا يحميه، ولا دولة تؤيده، ولا مالًا يغري به الناس. كان معه أهل بيته، وأطفاله، ونساؤه، ونفر قليل من أصحابه، بينما أحاطت به جيوش جرارة جاءت لتنتزع منه كلمة واحدة.

    لم تكن الكلمة المطلوبة حرفًا ينطق به اللسان، بل كانت تعني أن يصالح الباطل، وأن يمنحه شرعية البقاء.

    لكنه رفض...

    ورأى أن الدم أصدق من الحبر، وأن التضحية أبلغ من الخطب، وأن الإنسان قد يخسر حياته كلها، لكنه إذا حفظ مبدأه ربح الخلود.

    فسقط أصحابه واحدًا بعد آخر.

    وسقط إخوته.

    وسقط أبناؤه.

    وسقط رضيعه.

    ثم بقي وحده، يحمل أثقل أمانة عرفها التاريخ، حتى قدم نفسه قربانًا لله سبحانه وتعالى، لتبدأ بعد استشهاده حياة لم يعرفها وهو على ظهر الأرض.

    فالعجيب أن الحسين عليه السلام لم ينتهِ يوم عاشوراء، بل بدأ يوم عاشوراء.

    وكلما ابتعد الزمن عن كربلاء، اقتربت كربلاء من قلوب الناس.

    وهنا بدأت رحلتي مع السؤال...

    ذلك السؤال الذي لم يفارقني كلما رأيت ملايين البشر تسير نحو كربلاء.

    لا فرق بينهم في لون أو لغة أو وطن أو منصب أو ثروة.

    الطبيب يسير بجانب العامل.

    والعالم بجانب الأمي.

    والغني بجانب الفقير.

    والطفل بجانب الشيخ الكبير.

    وتذوب جميع الألقاب في لقبين لا ثالث لهما:

    زائر الحسين... وخادم الحسين.

    كلما رأيت طفلًا يحمل قنينة ماء أكبر من يديه الصغيرتين، سألت نفسي:

    أي صورة للحسين ارتسمت في قلب هذا الطفل حتى ترك ألعابه ليقف ساعات طويلة يخدم زائرًا لا يعرف اسمه؟

    وكلما رأيت امرأة عجوزًا أنهكها الفقر، باعت ما تبقى من متاع بيتها لتصنع رغيفًا أو كوب شاي لزائر عابر، سألت نفسي:

    من أين جاءت بكل هذا الكرم؟

    وكلما رأيت شابًا ترك راحته، وترك دنياه، واختار أن يبيت على الأرصفة، يخدم الغرباء مبتسمًا، سألت نفسي:

    أي حب هذا الذي ينتصر على كل مغريات العصر؟

    ثم رأيت الملايين...

    ملايين تمشي تحت لهيب الشمس.

    ملايين تنفق أموالها عن رضا.

    ملايين تترك أهلها وأعمالها.

    ملايين لا يجمعها حزب، ولا قومية، ولا منفعة، ولا تجارة، بل يجمعها اسم واحد...

    الحسين.

    عندها أدركت أنني لا أقف أمام ظاهرة اجتماعية، ولا أمام مناسبة دينية فحسب، بل أمام سر من أسرار الله في أرضه.

    سرٍّ كلما حاولت تفسيره، ازداد غموضًا.

    وكلما اقتربت منه، ازددت يقينًا بأنه أكبر من أن يحتويه عقل، وأوسع من أن تصفه لغة، وأعمق من أن تحيط به كتب الدنيا كلها.

    ولذلك...

    لم أكتب هذه الصفحات لأقدم أجوبة.

    ولم أحمل قلمي لأفسر سر الحسين.

    فذلك سرٌ لا يملكه إلا الله.

    ولكنني كتبت لأنني أردت أن أشارك القارئ رحلتي مع السؤال...

    ذلك السؤال الذي كلما ظننت أنني اقتربت من جوابه، ازداد اتساعًا.

    ماذا وجد الناس عند الحسين؟

    ما الذي جعل طفلًا في الرابعة من عمره يترك ألعابه ليخدم زائرًا؟

    وما الذي جعل أمًا فقيرة تبذل قوت يومها وهي تبتسم؟

    وما الذي جعل شيخًا أنهكه المرض يصر على أن يمشي نحو كربلاء؟

    وما الذي جعل الملايين، جيلاً بعد جيل، يقطعون آلاف الكيلومترات، لا لأن أحدًا أمرهم، ولا لأن الدنيا وعدتهم بشيء، بل لأن قلوبهم وجدت في الحسين ما لم تجده في غيره؟
    ذلك هو السؤال...
    أما الجواب...
    فأتركه لكل قلبٍ سار يومًا إلى الحسين.​
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...