بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق الخلق بحكمة، وأجرى الكون بتقدير، ولم يخلق شيئًا عبثًا، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.
قال الله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 29].
لو وقف الإنسان أمام هذه الآية دقائق قليلة، لتساءل: لماذا قال الله: ﴿خَلَقَ لَكُم﴾؟
لم يقل: خلق الأرض .. قال: خلق لكم.
أي أن هناك إنسانًا كان حاضرًا في علم الله قبل أن توجد الجبال والبحار، وقبل أن تشرق الشمس، وقبل أن تتكون الأرض نفسها.
دعونا نرجع بالزمن مليارات السنين...
قبل أن يكون على الأرض شجر، أو ماء، أو إنسان...
كان الكون في بدايات خلقه، ثم مرّ بمراحل طويلة، وتعاقبت أحداث عظيمة، وتكونت النجوم، ثم انفجرت، فتطايرت منها العناصر التي تكوّن منها هذا الكون.
ثم جاءت الشمس، ومنها تشكلت الأرض، ثم هيأها الله للحياة، وبعد رحلة طويلة جداً... خلق الإنسان من تراب هذه الأرض.
وكأن الكون كله كان يكتب مقدمة طويلة... حتى يصل إلى الفصل الأخير...
الإنسان.
ولهذا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:
«أتزعم أنك جرم صغير، وفيك انطوى العالم الأكبر.»
فهذا الجسد الذي نحمله ليس غريبًا عن الكون...
بل هو قطعة من السماء، وقطعة من الأرض، وقطعة من النجوم...
إن عناصر الحديد والكالسيوم والكربون وغيرها التي في أجسادنا، هي من العناصر التي خلقها الله في هذا الكون.
لكن الله لم يرد أن يكون الإنسان مجرد كتلة من تراب...
فنفخ فيه من روحه، وكرمه، وفضله.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].
وقال سبحانه:
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30].
وقال عز وجل:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا... وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾ [الأحزاب: 72].
تأملوا...
السماوات...
والأرض...
والجبال...
اعتذرت عن حمل الأمانة...
أما الإنسان فقد حملها.
فهل عرف قدر ما حمل؟
إن أخطر ما يواجه الإنسان اليوم أنه نسي قيمته.
صار يقيس نفسه بما يملك...
ببيته...
ورصيده...
وشهادته...
ومتابعيه...
بينما الله يقيسه بالأمانة التي يحملها.
قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام:
«إن الله عز وجل فوّض إلى المؤمن أموره كلها، ولم يفوض إليه أن يكون ذليلاً.»(الكافي، ج٥، ص٦٣).
لأن المؤمن خليفة الله في أرضه، فلا يليق به أن يبيع نفسه بثمن قليل.
ثم تأملوا في كلمة واحدة في الآية...
﴿خَلَقَ لَكُم﴾.
هذه اللام تحمل رسالة عظيمة.
فكل ما في الأرض مسخر لخدمة الإنسان...
لكن ليس ليطغى...
وليس ليفسد...
وليس ليستأثر.
قال تعالى:
﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61].
أي طلب منكم إعمارها.
ومن هنا جاء الإسلام ليضع قواعد الملكية.
فالمال وسيلة.
وأول طريق للتملك هو العمل.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«من أحيا أرضًا ميتة فهي له.»
فالإنسان يملك لأنه عمل...
ويستحق لأنه بذل.
ولهذا حرم الله الربا.
قال تعالى:
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275].
لأن الربا زيادة بلا إنتاج...
وربح بلا تعب...
بينما يريد الإسلام أن يدور المال مع الحركة والعمل.
وكذلك جعل الإسلام نماء المال تابعًا لأصله، فمن ملك الأصل ملك نماءه، مع مراعاة أحكام الشريعة.
لكن الإسلام لم ينسَ العاجزين.
من لا يستطيع العمل فليمت جوعًا.
بل جعل للفقراء والعجزة حقًا في بيت المال.
ويروي أنه رأى شيخًا نصرانيًا يسأل الناس، فقال:
«ما هذا؟»
قالوا: يا أمير المؤمنين، نصراني كبر وعجز.
فقال عليه السلام:
«استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه؟! أنفقوا عليه من بيت المال.»
أي عدالة هذه؟
رجل ليس مسلمًا...
ومع ذلك لم يسمح الإمام أن يضيع في المجتمع.
لأن العدل لا يعرف لونًا ولا دينًا.
أيها الأحبة...
بعد هذه الرحلة الطويلة...
رحلة امتدت مليارات السنين...
تكونت فيها النجوم...
وتشكلت الأرض...
ثم خُلق الإنسان...
هل يليق بهذا الإنسان أن يعيش لأجل شهوة عابرة؟
أو خصومة صغيرة؟
أو مال يتركه عند موته؟
قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«ما خُلِقْتُمْ لِلْفَنَاءِ، بَلْ خُلِقْتُمْ لِلْبَقَاءِ.»(نهج البلاغة، الحكم).
وقال الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء:
«صبراً بني الكرام، فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة.»(ورد في المصادر المعتبرة التي نقلت مواعظه يوم عاشوراء).
إن الإنسان الذي اختصر في وجوده رحلة الكون كلها...
لا ينبغي أن يختصر حياته في الدنيا .
بل يجعل الدنيا مزرعة للآخرة.
ويجعل المال أداة للخير.
والعلم طريقًا للهداية.
والقوة نصرةً للمظلوم.
والعمر طاعةً لله.
يعرف قيمة الأمانة، ويعرف لماذا خلقه الله، و يجعل الدنيا في يديه لا في قلوبه متعلق بها ذائبا في هواها وملذاتها وشهواتها.
