بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾[1].
تجسيم من قبل خالق الخلق تبارك وتعالى لما نراه بأعيننا نرى السماء تهطل بالمطر فيصيب التربة الصالحة فتخرج الأرض نباتها وتكون مخضرة زمانا قصيرا، ثم يبدو عليها اليبس الى حالة تتحطم معها وتأتيها الرياح فتذروها، فتجد الأرض جرداء خالية من كل عود الاّ ما تأصّل وضخم ونزل في تخوم الأرض وصعدت أصوله القوية على وجه الأرض، وهكذا قدرة الله تنمي نطفة الشابّ والشابة فيأخذان ادوارهما في الحياة، قاهرين لكل شيء ثم يذلاّن حتى يعجزا عن القيام والقعود، ثم يكونان جنازة توضع في أجواف الأرض وهكذا سبيل كل هامد متحرك.
الماديات كالمال والبنين زينة للناس بما جبلوا عليه، والأعمال الصالحة التي تثقل على عواطف كثيرين احسن زينة؛ لأن بناء المجامع في الحقيقة قائم عليها لا على المال بما هو مال ولا على الأولاد بما هم أقوياء أشداء، فإن المال إذا لم يتأت عن منبع صحيح ولم يصرف في مواقعه الصحيحة، وقوّة الأقوياء وشدّتهم إذا لم تبذل في نصرة الحق ودكّ الباطل أفسدا ولم يصلحا، كما رأته عيوننا في جميع أدوار حياتنا ولا شك أن عوائد العمل الصالح اكثر وانفع، والأمل بالمسير اللَّهَب أقوى واثبت، فإذا كانت الحياة الدنيا مثل النبات يخضر ثم ييبس ويتحطم وتأتيه الرياح فتذروه؛ فإن خلقة الدنيا مثل ذلك فالجبال التي هي ركائز الأرض إذا دكّت والأرض بما عليها من نبات وشجر وحيوان وانسان ومباني، إذا جردت تحولت الأوضاع الى طور آخر وهناك نحشر من مات؛ لإقامة الحساب معه بأن يعطى حقه ويؤخذ منه حق الأغيار ولا نغادر من الناس والجن والملائكة أحدا، ويعرض الجميع على ربهم عارين من كل ما كانوا يملكونه في الدنيا من رياش ووسائل معاش بل كان جملة من المحشورين يزعمون أن لا معاد ولا حساب ولا جزاء، ووضعت اعمال الناس بين أيديهم فالمحسن يأنس والمسيء يغتمّ وكل منهم عندما يجد اعماله محصية تراه يقول: ﴿هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ من الحسنات والسيئات ﴿إِلَّا أَحْصَاهَا﴾[2]، ليجازى عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ﴾، أي بيّن وصير لهم مماثلا للحياة الدنيوية التي اخذوا بها وانقلب بها وجههم عن الاخرة ﴿كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ..﴾، أي تكون من قبيل الماء النازل من السماء أي الجهة العالية، وهي السحب أو السماء المقابل للأرض لتصّرف السنوات في عالم الارض تصرف بعض المقتضيات فيصح إطلاق النزول منها.
﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾، أي تكاثف وغلظ بسبب ذلك الماء نبات الأرض أو امتزج معه نبات الارض، فالباء للمصاحبة بنفوذ ماء المطر في خلل النبات، وصيرورة النباتات مروية وحسنة ﴿فَأَصْبَحَ﴾، أي النبات ﴿هَشِيمًا﴾، أي يابسا ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾، أي تنشره بعد اليبس والتفرق ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾، أي قادرا فالحياة الزائلة الدنيوية، كالماء الدنيوي نزولها من العالي، إذ تكون من الله، وبسببها يصير البدن غليظا متكاثفا أو الحياة تسري في البدن، فيصير البدن حسنا صاحب الجمال.
وكما إن الغرض من نزول الماء من السماء للإفاضة على اقسام الحيوانات من الانسان وغيره، فكذلك في افاضة الحياة يكون الغرض الجود والتكميل للأمر العالي.
وكما إن الاول يذهب، فيصير النبات هشيما متفرقا بالرياح، فكذلك الحياة الدنيوية تكمل وتنتقل لكونها من الادراكات التخيّلية أو التعليقة الى العالم الاعلى ويبقى البدن بلا روح وحياة فيصير يابسا ومتفرقا لقدرة الله على كل شيء، فالأمر الدنيوي هو الزائل والباقي هو الامر الآخر.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ((أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ اَلدُّنْيَا إِلَى أَنْ قَالَ: لاَ تَعْدُوا إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْلِ اَلرَّغْبَةِ فِيهَا، وَاَلرِّضَاءِ بِهَا أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اَللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ ..﴾))[3].
[1] سورة الكهف، الآية: 45.
[2] سورة الكهف، الآية: 49.
[3] نهج البلاغة، ص 220.
