مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ﴾

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الاشتر
    مشرف قسم المنوع

    • 27-02-2022
    • 2865

    #1

    مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ﴾

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
    اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد


    قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا[1].

    بسبب كون الآية بصدد بيان ما به يتزيَّن الإنسانُ من أسباب القوَّة والاقتدار والمنَعة، وذلك إنَّما هو للمال والبنين، ولعلَّه لذلك قدَّم المال على البنين وذلك لأنَّه أبلغُ في تحصيل هذه الغاية من البنين، وليس لأنَّ الإنسان يُفضِّل المال على البنين.
    وبه يتبيَّنُ أنَّ ذكْر البنين في المقام دون البنات نشأ عن أنَّ الشأن الذي كانت الآيةُ بصدده إنَّما يُناسب البنين دون البنات، وذلك لا يُعبِّر عن التفضيل أو الإقرار لِما عليه الثقافة الجاهليَّة من الرغبة في البنين دون البنات.
    والتمثيل لذلك: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ
    [2]، فالآية ذكرت جلودَ الأنعام وأصوافَها وأوبارها وأشعارها، فهل يصحُّ أنْ يُقال إنَّ القرآن يرى أنَّ جلود الأنعام وأصوافها وأوبارها أكثرُ نفعًا من لحوم الأنعام وألبانها مثلًا؟
    لا يُمكن استفادة ذلك من الآية، لأنَّها بصدد البيان لِما ينفع في بناء المخيمات وما ينفع للأثاث والمتاع، ومِن الواضح أنَّ الذي ينفع لهذا الشأن هو مثل الجلود والأصواف والأوبار، ولهذا خصَّها بالذكر دون اللحوم والألبان، كذلك المقام، فإنَّ الذي يتباهى به الإنسان ويُفاخر به ويستظهرُ به كونه من أسباب القوَّة والمنعة هو المال والبنون، فعدمُ ذكر البنات إنَّما هو لعدم مناسبته لهذه الغاية، وهذا هو كذلك منشأ عدم ذكر البنات في مثل قوله تعالى: ﴿..وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا
    [3].
    فقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ...﴾، ليس مسوقاً لإفادة أنَّ الإنسان مفطورٌ على حبِّ المال والبنين والرغبة فيهم حتى يُقال: ولماذا لم يذكر البنات؟! بل إنَّ الآية مسوقةٌ لإفادة أنَّ المال والبنين وإنْ كانا من أسباب القوَّة والمنعة التي يتزيَّنُ بها الإنسان ويتباهى بها أمام الناس إلا أنَّ ذلك ليس له بقاء، فالصالحاتُ هي الباقيات، وأمَّا المال والبنون فإلى زوال.
    فالآية لا تُقرِّر ما عليه النزعة الجاهليَّة من الرغبة في البنين دون البنات وإنَّما تُذكِّر بأنَّ ما يتباهى به الإنسان مِن مظاهر القوَّة والمنعة ليس له بقاء ودوام.
    وأمَّا قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ...
    [4].
    فهذه الآية كذلك لا تُقرِّر ما عليه الناس من حبِّ الشهوات والبنين والقناطير بل الواضح منها ومِن سياقها أنَّها في مقام الذمِّ وأنَّ ذلك من زخارف الدنيا كما هو مقتضى التعبير بزُيِّن فهي لا تتحدَّث عن الحبِّ المعتدل الذي تقتضيه الطبائع بل عن الحبُّ المفرط والذي هو من تسويلات الشيطان وتزيينه والنفس الأمَّارة بالسوء، والذي يؤكِّد ذلك أنَّها لم تتحدَّث عن حبِّ المال الذي يتبلَّغُ به الإنسان لقضاء الحاجات بل تحدَّثتْ عن حبِّ القناطير المقنطرة من الذهب والفضَّة، وهو المالُ الكثير الذي يُقدَّر بملء جلدِ ثورٍ ذهباً، وتحدَّثت عن حبِّ الشهوات، فهي تتحدَّث عن حالةٍ من الجشع والنهَم والحرص على الاستكثار من أصناف الأموال والتشبُّع بالمشتهيات، مثلُ ذلك لا تقتضيه الطبائع القويمة ولا يُمكن أن يكون ذلك مِن تزيين الله تعالى الله عن ذلك علوَّا كبيرا.
    ويؤكِّد ذلك ما أفادته الآيات التي تلتْ هذه الآية حيث أفادت أنَّ الأتقياء ليسوا كذلك، لهذا فلهم في الآخرة ما هو خير ممَّا يتوهَّم الغافلون أنَّه خيرٌ لهم، ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ* الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ
    [5].
    فآية: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ..﴾ لا تُقرِّر ما هم عليه بل هي تُشنِّع عليهم ذلك، فليس الحبُّ لهذه المتعلَّقات الذي تحدَّثتْ عنه الآية هو الحبُّ الذي يضمن بقاء الحياة وانتظامها بل هي تتحدَّث عن الحبِّ المفرط الذي كان وما زال سبباً لغفلة الإنسان عن ربِّه ودينه وقيَمه وسبباً للمظالم والحروب والفساد وجميع آفات الحياة.

    [1] سورة الكهف، الآية: 46.
    [2] سورة النحل، الآية: 80.
    [3] سورة الإسراء، الآية: 6.
    [4] سورة آل عمران، الآية: 14.
    [5] سورة آل عمران، الآيتان: 16 – 17.

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...