مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ﴾

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الاشتر
    مشرف قسم المنوع

    • 27-02-2022
    • 2868

    #1

    مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ﴾

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
    اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد


    قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا[1].

    بتعبير إلهي جميل يحث النفوس الإنسانية على ضرورة تحصيل ما هو يكون جواز مرور لهم في الآخرة، وعليه فبدل أن تدخر جهدك في الأموال وتكدّسها على بعضها ثم تذهب في لحظة واحدة، أو تتعب نفسك وترهقها من أجل الأولاد ثم فجأة يقلبون عليك ظهر المحن ويتركونك وحدك، بدل كل ذلك اعتمد على الله بالأعمال الصالحة.
    والسؤال: ما هي الأعمال الصالحة‌؟ أن تجلس في البيت وتذكر ربك وتسبحه‌؟ وتصلي الفرائض الخمس بنوافلها؟ أم تزكي وتخمس‌؟ أم تجاهد؟ أم تبني مصنعا وتعبّد شارعا من أجل الله وفي خير المجتمع‌؟ كل ذلك عند ما يكون خالصا لوجه الله، فهو من الباقيات الصالحات، وهي تنقسم الى نوعين: -
    فالأول: ما يرى الإنسان جزاءه عليه في الآخرة فقط، وإن كان يعود بالفوائد المعنوية في الدنيا كالصلاة، والتسبيح، والذكر وغيرها.
    والثاني: ما يرى الإنسان جزاءه في الدنيا أيضا كما لو بنى حضارته، ذلك لأن الحضارات هي المكاسب البشرية الباقية، فما تأكله وتشربه ليس حضارة، أما الذي تبنيه فهو جزء من الحضارة، والذي تعرفه قد لا يكون من الحضارة، ولكن الذي تقوله أو تكتبه من العلوم فهو من المكاسب الحضارية، وبتعبير آخر من المدّخرات الحضارية للمستقبل.
    والحضارة انما تبدأ، وتنمو، وتبقى عن طريق أولئك الذين يفكرون في المستقبل فيدّخرون الأعمال الصالحة للمستقبل، يعبّدون الطرق، ويعمّرون المدن، ويبنون المصانع. و. و. التي تبقى.
    والامة التي تستهلك أكثر مما تنتج، وتهدم أكثر مما تبني، وتفسد أكثر مما تصلح، فإنها لا حضارة لها ومصيرها الى الاندثار.
    أما المجتمع الذي يعمل فيعطي لما يبقى أكثر مما يعطي لما يفنى، وينتج أكثر مما يستهلك، وبالتالي يصلح أكثر مما يفسد، فإنه مجتمع يبني الحضارة ويحميها.
    ونظرة القرآن للمستقبل تنقسم الى شقين: نظرة الى المستقبل في الحياة الدنيا، ونظرة الى المستقبل في الآخرة، والإمام الكاظم (عليه السلام) يقول: ((اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لأخراك كأنك تموت غدا))
    [2]، مشيرا الى هذا المفهوم، وهو: ضرورة العمل للمستقبل بشقيه الدنيوي والأخروي.
    ويشدد الإسلام على هذا الموضوع أكثر من خلال الأمل حينما يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((الأمل رحمة لاُمّتي، ولولا الأمل، ما رضعت والدة ولدها، ولا غرس غارس شجراً))
    [3]، مثاله إذا كان بيدك شتلة، ورأيت أشراط الساعة قد ظهرت وقامت القيامة، فلا تتوقف عن عملك، بل اغرسها، وذلك تأكيده على ضرورة العمل للمستقبل.
    صور من القيامة: لكي تتعادل نظرة الإنسان فلا يغتر بالحياة الدنيا، ويعيش في حالة وهم وغفلة وارتباط بما هو فان فلا بدّ أن يذكّر بالآخرة، وبمدى حاجته هنالك للباقيات الصالحات، وهكذا يذكّرنا الرب هنا بذلك اليوم الرهيب، بلى ذلك اليوم الذي تعود الدنيا كما بدأت وتنتهي هذه الدورة الحياتية على الأرض التي تشبه دورة الربيع، ألم يقل ربنا: ﴿مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
    [4]، بلى ذلك كان المثل وهذه هي الحقيقة، وإن قدرة الله التي قلبت الطبيعة عبر فصول العام هي التي تقلبها عبر دورة الوجود.
    ولو نظرنا الى الوجود من خلال هذه البصيرة القرآنية إذا لهانت زينة الدنيا في أعيننا، ولتحمّلنا مسئوليتنا، وأخذنا من هذا المعبر السريع لذلك المنزل الباقي، أليس كذلك‌؟ دعنا نعيش لحظات في عمق المستقبل الحق، في يوم النشور الرهيب، وينتقل بنا السياق ليصور لنا مشهدا من مشاهد القيامة، حيث تنتهي جاذبية الأرض كما يبدو لي وتصبح كالعهن المنفوش وتنبث بثا وتسيّر تسييرا.

    عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ((قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أكثروا من قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة لهن مقدمات ومؤخرات ومعقبات، وهن الباقيات الصالحات))[5].

    [1] سورة الكهف، الآية: 46.
    [2] وسائل الشيعة، ج 17، ص 76.
    [3] ميزان الحكمة، ج 1، ص 140.
    [4] سورة يونس، الآية: 24.
    [5] وسائل الشيعة، ج 7، ص 185 - 186.

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...