بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾[1].
خاتمة المطاف للبشرية في هذه الحياة الدنيا والتي اعتقد البعض منهم بعدم المعاد الجسماني في الآخرة والذي سيحل بهم هو الفناء الكلي، فإن الله عز وجل سيجمع ردفا بين يومي القيامة وهما إماتة: ﴿نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾، واحياء: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾، جمعا للموتى في الحياة فحسابا وجزاء وفاقا! وبماذا يعطف ﴿وَيَوْمَ﴾، في بروز الباقيات الصالحات والطالحات؟ علّه قبل يوم البرزخ فإنه دار جزاء البرزخ، وقبله الدنيا حيث يرى فيها الباقيات الصالحات والطالحات بشيء من آثارها، مثلث من الحياة في كلّ حسبها يرى آثار الصالحات والطالحات، وكما آية السعي تسعى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، كضابطة عامة تبتدأ من الدنيا ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾، انتقالا إلى البرزخ ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾[2]، الى الحياة الاخرى، فليست المساعي والصالحات موقوفة في ثوابها وأملها ومردّها في الحياة الاخرى، بل تبرز بدرجات أو دركات في مثلث الحياة.
و ﴿نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾، أي نحرّكها من مواضعها ونقلعها قلعا ونجعلها في الجوّ كالسّحاب تسير على وجه الأرض وبعدها: ﴿تَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾[3]، ثم تعدم هي قيامة الأرض بما فيها وعليها، باقتلاع الجبال عن أصولها وتسييرها سريعة لحد ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾، ظاهرة من تحت الجبال ليس عليها ما يسترها من جبال وغيرها، أو مبرزة ما في بطنها ببروز قواعد الجبال والتلال، وسرابا: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾[4]، حيث «تذل الشم الشوامخ والصم الرواسخ فيصير صلدها سرابا رقراقا ومعهدها قاعا صفصفا» ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا* فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا* لَّا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾[5]، أرضا مستوية ملساء ككرة الفضة دون انخفاض فيها ولا ارتفاع ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾، وجمعناهم إلى الموقف، ومجيئه ماضيا بعد ﴿نُسَيِّرُ﴾، و ﴿تَرَى﴾، لتحقّق الحشر، أو للدلالة على أنّ حشرهم قبل التسيير ليعاينوا ويشاهدوا ما وعد لهم، وعلى هذا، تكون الواو للحال بإضمار «قد».
في قيامة التعمير بعد قيامة التدمير، ولكل رجفة تناسبه ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ* تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾[6]، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ* وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾[7]، ولعلّ من بروز الأرض إشراقها بنور ربها حيث تطوى ظلمتها وظلاماتها طيا، كما وأنها تبرز أثقالها ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾[8].
وإنه الحشر العام والتام دون إبقاء: ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾، من الأوّلين والآخرين: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾[9]، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ﴾[10].
حشر تبدي فيه الأرض بارزة عارية من التلال والأشجار والجبال وعن بنايات من حواجز وفواصل بروزها صافية مستوية، فالقوة التي تسيّر الجبال وتصيّرها كالعهن المنفوش، ماذا ترى تفعل بما دونها من التلال؟ فللأرض بروز اوّل رفعا لحواجزها، وبروز ثان إخراجا لأثقالها، وبروز ثالث إشراقا بنور ربها، ومن ثم جمع على ظاهرها ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾، والمغادرة هي المشاركة والإخلال بالشيء، فلا متاركة مع أحد ولا إخلال بأحد! تتكشف الأرض وتتكشف خبايا من يحشر على الأرض فلا تخفى منها ولا منه خافية.
وقد ورد عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللهِ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) قَالَ: ((ما يقولُ الناس في هذه الآية ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾، قلتُ: يقولون إنّها في القيامة. قال: ليس كما يقولون، إنَّ ذلك في الرجعة، أيحشرُ الله في القيامة مِن كلِّ أمةٍ فوجاً ويدعُ الباقين؟ إنّما آيةُ القيامة قوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾))[11].
[1] سورة الكهف، الآية: 47.
[2] سورة النجم، الآيات: 39 – 40 - 41.
[3] سورة القارعة، الآية: 5.
[4] سورة النبأ، الآية: 20.
[5] سورة طه، الآيات: 105 – 106 – 107.
[6] سورة النازعات، الآيتان: 6 – 7.
[7] سورة الزمر، الآيتان: 68 – 69.
[8] سورة الزلزلة، الآية: 2.
[9] سورة الكهف، الآية: 99.
[10] سورة الأنعام، الآية: 128.
[11] تفسير نور الثقلين، ج 3، ص 266.
