بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا﴾[1].
الآية الكريمة في معرض بيان توضيحي لحالة غيبية يقرأ ويسمع عنها الإنسان من خلال الكتب السماوية التي جاء بها الأنبياء (عليهم السلام) بوحي من الله تعالى، وهي أنّ أمام الإنسان يوماً يرى فيه جميع أعماله حاضرة أمامه ومشاهدة ومحسوسة، وأنّه سيجد أعماله السيّئة حاضرة بدورها أمامه باعتبار ملازمتها لنفسه ولأنّها أثر نفسه، فيودّ من شناعتها وشدّة قبحها ومن إحساسه بالصَّغار والخجل والانزعاج لو كان بينه وبين تلك الأعمال القبيحة فاصلًا بعيداً.
ولكن ومع الأسف فليس هناك من فاصل بينه وبينها، فتلك الأعمال تلازمه وتلاصقه لأنّها ارتُكبت بإرادته واختياره، ولأنّها من آثاره وتبعاته ووليدة علمه، لذا فهي قرينه الذي لا ينفكّ عنه.
ثمّ، لأنّ العالم هناك ليس عالماً زمنيّاً، وليس من تدريج وتغيّر وتبدّل، بل هو عالم الوجدان. وهو عالم مدهش ومثير للعجب، يسيطر فيه الإنسان ويُهيمن على نفسه وعلى جميع أعماله ويرى ما الذي فعل وما الذي اجترح، ويُدعى ذلك العالم بعالم العَرْض الذي يمثّل أحد العوالم التي تنتظرنا بعد عالمي الحشر والنشر.
فقد كان عالم الحشر عالم الجمع، وكان عالم النشر عالم البسط والبقاء ونشر النفس في كثراتها، أمّا عالم العَرْض فيلي البقاء، حيث يُعرض على الله تعالى الإنسان المحيط بأعماله وأفعاله وسيرته، وحيث يدرك الإنسان بالوجدان نفسه مع جميع ما قدّم في سابق الأيّام وفي أواخرها: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾[2].
فيُعرض ذلك كلّه في محضر الله تعالى : ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ﴾، لقد تركتم جميع الآمال وخلفتم الزوجة والولد والامور الاعتبارية التي أحاطتكم من كل جهة، والتي اعتمدتم عليها في عالم المجاز والاعتبار، تركتموها بأجمعها وراءكم وأتيتم إلى هذا العالم فرادى كما هي حالكم حين أتيتم إلى الدنيا، أي وقفوا للحساب بين يديه سبحانه ﴿صَفًّا﴾، مصفوفين، فقلنا لهم بلسان الحال: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أي أحضرناكم على الحالة التي أوجدناكم فيها حين خلقكم عراة ليس معكم من الأموال والأولاد شيء وها أنتم تعودون ترجعون إلينا في يوم الموعود وفي الحديث من سؤال الزنديق الذي سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن مسائل كثيرة قال: أخبرني عن الناس يحشرون يوم القيامة عراة؟ قال: ((بل يحشرون في أكفانهم، قال: أنى لهم بالأكفان وقد بليت؟ قال: إن الذي أحيا أبدانهم جدد أكفانهم، قال: فمن مات بلا كفن؟ قال: يستر الله عورته بما شاء من عنده، قال: فيعرضون صفوفا؟ قال: نعم هم يومئذ عشرون ومائة ألف صف في عرض الأرض))[3].
ولم تكونوا تحسبون أبداً أنّ لكم موعداً ستحضرون فيه لدينا، ولو ظننتم ذلك لأعددتم على أقلّ تقدير مستلزمات سفركم لئلّا تُبتلون هنا بهذه الآثار والأعمال التي قدّمتوها فصارت تلازم أنفسكم.
أي أنّكم أذهبتم طيّباتكم وثرواتكم الطيّبة الزكيّة من العمر والعقل والقدرة والعلم والحياة والراحة والأمن وأمثالها في الحياة الدنيا الحيوانيّة الوضيعة لا في الحياة السامية؛ ولقد منّ الله عليكم بمقامكم ومنصبكم الحقيقيّ من أجل كسب الكمال وطيّ سبيل التقرّب إلى الله تعالى ولإعداد الزاد والراحلة لسفر لقاء الله وزيارة الخالق المتعال، وللسير تجاه مقام التجرّد والعثور على النفس؛ لكنّكم بدلًا من أن توظّفوا هذه الثروات لإضاءة عقبات الطريق الموحشة ولفتح مخابئ العدوّ والنفس الأمّارة التي تكمن باستمرار لقاصدي هذا السفر، لتكونوا في مأمن الصدق، فقد أنفقتم تلك الطيّبات خلال الحياة الدنيا في الغفلة والشهوات وإعمال القوى الغضبيّة والوهميّة بلا داعٍ ولا مبرر، وانصرفتم إلى الاستكبار والتكاثر واكتناز المال بلا مبرر، وكسب الجاه والاعتبار الكاذب والحيثيّة والكرامة التي لا قيمة لها، وأنفقتم تلك الطيّبات في هذه الحياة المعاشة الوضعيّة الحيوانيّة!
﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا﴾، أيها المنكرون للبعث ليس الأمر كما تزعمون من أنّا لن نجعل لكم موعدا: وقتا للبعث و النشور و الحساب.
[1] سورة الكهف، الآية: 48.
[2] سورة الانفطار، الآية: 5.
[3] الاحتجاج، ج 2، ص 336.
