بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾[1].
من جملة ما خلق الله تعالى أقوام الجن ومنهم إبليس اللعين وهو موجود ذو شعور وإرادة، ويدعو إلى الشرّ ويسوق إلى المعصية، كان في مرتبة مشتركة مع الملائكة غير متميّز منهم إلّا بعد خلق الإنسان وحينئذٍ تميّز منهم ووقع في جانب الشرّ والفساد، وإليه يستند نوعاً من انحراف الإنسان عن الصراط المستقيم وميله إلى جانب الشقاء والضلال، ووقوعه في المعصية والباطل.
كما أن المَلَك موجود مخلوق ذو إدراك وإرادة، إليه يستند نوعاً من اهتداء الإنسان إلى غاية السعادة ومنزل الكمال والقرب.
وأن أعوان من الجِنّ والإنس وذرّيّة مختلفي الأنواع يجرون بأمره إيّاهم أن يتصرّفوا في جميع ما يرتبط به الإنسان من الدنيا وما فيها بإظهار الباطل في صورة الحقّ، وتزيين القبيح في صورة الحَسن الجميل.
وهم يتصرّفون في قلب الإنسان وفي بدنه وفي سائر شؤون الحياة الدنيا من أموال وبنين وغير ذلك بتصرّفات مختلفة اجتماعاً وانفراداً، وسرعة وبطاً، وبلا واسطة ومع الواسطة، وربّما كانت الواسطة خيراً أو شرّاً، وطاعة أو معصية.
ولا يشعر الإنسان في شيء من ذلك بهم ولا بأعمالهم، بل لا يشعر إلّا بنفسه ولا يقع بصره إلّا بعمله، فلا أفعالهم مزاحمة لأعمال الإنسان ولا ذواتهم وأعيانهم في عرض وجود الإنسان، غير أن الله سبحانه أخبرنا أن إبليس من الجِنّ وأنّهم مخلوقون من النار، وكأنّ أوّل وجوده وآخره مختلفان.
ولمّا بيّن الله تعالى حال المغرور بالدنيا والمعرض عنها، وكان سبب الاغترار بها حبّ الشهوات وتسويل الشيطان، زهّدهم أوّلا في زخارف الدنيا بأنّها عرضة الزوال، والأعمال الصالحة خير وأبقى، ثمّ نفّرهم عن الشيطان بتذكير ما بينهم من العداوة القديمة، وكرّره سبحانه في مواضع لكونه مقدّمة للأمور المقصود بيانها في تلك المحالّ كما هاهنا، وهكذا مذهب كلّ تكرير في القرآن.
﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾، حال بإضمار «قد»، أو استئناف للتعليل، كأنّه قيل: ماله لم يسجد؟ فقيل: كان من الجنّ، ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، فخرج عن أمره بترك السجود، والفاء للتسبيب، جعل كونه من الجنّ سببا في فسقه، يعني: لو كان ملكا كسائر من سجد لآدم لم يفسق عن أمر الله، لأنّ الملائكة معصومون البتّة، لا يجوز عليهم ما يجوز على الجنّ والإنس، كما قال: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾[2]، وفيه دليل على أنّ الملك لا يعصي البتّة، وإنّما عصى إبليس لأنّه كان جنّيّا في أصله، فما أبعد البون بين هذا القول، وبين قول من ضادّه وزعم أنّه كان ملكا ورئيسا على الملائكة، فعصى، فلعن ومسخ شيطانا.
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ﴾، الهمزة للإنكار والتعجّب، كأنّه قيل: أعقب ما وجد منه تتّخذونه ﴿وَذُرِّيَّتَهُ﴾، أولاده أو أتباعه، وسمّاهم بلفظ ذرّيّة مجازا.
﴿أَوْلِيَاءَمِن دُونِي﴾، أي: تستبدلونهم في، فتطيعونهم بدل طاعتي ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾، بئس البدل طاعة الشيطان عن طاعة الرحمن، وولاية الشيطان عن ولاية الرحمن، وتقدير الآية: بئس البدل من الله إبليس، والمخصوص بالذمّ مضمر فسّر بقوله: «بدلا» على البدليّة.
وبمعنى آخر: ومن نتج عنه (ابليس) وبلغ طريقته وحصنها ناصرين لكم من الله وسطوته، بئسما استبدلتم به فجعلتم مكان الله تعالى الشيطان، ومكان عباده الصالحين ذراري الشيطان الفاسقين، كيف تستبدلون بالله الموجودات الحادثة ذاتا وزمانا التي سبقتها خلقة الأرض والسموات كما سبقتها العوامل التي اثرت فيها، وأنا حين إذ اتخذ الأنبياء والصلحاء مبلغين عن الطرائق الحقة؛ فلأنهم يريدون الحق من صميم أنفسهم وهل يجوز لمن يريد الحق واحقاقه أن يتخذ المضلّين المغوين عضدا له وسندا لدعوته، وإذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى للمشركين والملحدين وغير المخلصين: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾، أنهم شركاء فنادوهم، ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾[3]، لندائهم وجعلنا بين الداعي والمدعو حاجزا يؤول بالطرفين الى الهلاك.
[1] سورة الكهف، الآية: 50.
[2] سورة الأنبياء، الآية: 27.
[3] سورة الكهف، الآية: 52.
