بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾[1].
كل عاقل يعلم إنّ القيامة قريبة، وموجودة الآن، موجودة معه، والنار قد أحاطت به، وعذاب الله قد أحاطه، لكنّ بدنه قد تخدّر وروحه قد تبلّدت وفقدت الإحساس بالألم، فهي لا تدرك كيف انّها في حالة اشتعال واحتراق.
إن الشخص الغاضب الذي تجيش أحاسيسه العصبيّة فإنّ عقله سيفقد الإدراك في تلك الحال، بَيدَ أنه لا يدرك ذلك، أمّا إذا هدأ وسكن غضبه فإنّه سيفهم آنذاك أي نارٍ كانت قد استعرت في روحه.
وعندما تطغى شهوة المرء فإنّه يرتكب ألف عمل شنيع ولا يدرك قبحه، وإذا ما عاد إلى حالته الطبيعيّة فإنّه يفهم ما الذي فعله حال الشهوة، وكيف أنّه أسقط نفسه إلى مستوى أرذل وأدنى من الحيوان.
إن الناس أسرى الشهوات في الدنيا، وهذه الشهوات قد دوّخت أرواحهم وأنفسهم وعقولهم، ولم تدعهم يفهمون أنهم متألّمون مبتلون.
وإنّ أهل الدنيا الذين يعيشون مع الآمال البعيدة، مبتلين بحبّ المال وحبّ الجاه، لا يدركون الحقائق، ومع أنهم يحترقون في النار لكنّهم لا يحسّون ألماً ولا يجدون حرقة، يطلع نور الله تعالى، ويتخطّى الإنسان مسير الشهوة، فإنّهم سيدركون يومئذٍ أنّ النار طاغية، وما أعجبها من نار! وكم أحرقت من أبدانهم وأنضجتها، علماً أنّ سكر شهوة الإنسان وغضبه يمنعانه من إدراك الاحتراق والاشتعال، لأنّ حُبُّكَ الشيء يُعْمِي ويُصِمُّ.
وعندما ينقلب العالم ويتبدّل، ويخرج المرء من الطبع والمادّة ويشدّ الرحال إلى عالم التجرّد، فإنّه سيرى أي مصائب قد انصبّت على امّ رأسه، وأي جراح وقروح قد ألحقها بنفسه اللطيفة، وكيف قذف بها في آتون النار! ﴿.. لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ..﴾[2]، وهكذا تأتي القيامة بغتةً فتجرف الجميع، ولكن إلى أين؟ ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾[3].
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾[4]، وهذه الآية ليست عائدة إلى المؤمنين؛ فلقاء الإنسان الوارد في هذه الآية وفي كثير من آيات القرآنية عائد إلى الإنسان عموماً، المؤمن والكافر، المتّقي والفاجر، العادل والفاسق، وعلى الإنسان أيّاً كان أن يتحرّك صوب الله تعالى ويحظى بلقائه.
وقد ورد عن أمير المؤمنين ( عليه السلام) ((وأما قوله عزّ وجلّ: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾، يعني تيقّنوا أنهم يدخلونها، ... وأما قوله عزّ وجلّ للمنافقين: ﴿... وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾[5]، فهو ظنّ شك وليس ظن يقين، والظن ظنان: ظن شك وظن يقين، فما كان من أمر المعاد من الظن فهو ظن يقين، وما كان من أمر الدنيا من الظن فهو ظن شك))[6].
نعم بعد الحشر يوم القيامة والمحاسبة يرى ﴿الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾، التي هي موئلهم فيعلمون أنهم ملابسوها قطعا ولا صارف عنها.
هذا القرآن مجموعة انظمة ونصائح وعظات وأمثال يعين ضربها على فهم المقاصد، ومع كلّ هذه البيانات المتشعشعة ترى الإنسان يجادل فيها ليضيع الدرب على ساكنيها، هذا والناس الذين من صميم قلوبهم يريدون الحق تراهم لا يلابسونه الاّ بقهر القوة فلم يمنعهم يوم نزول القرآن عن الايمان بالله وعن رسوله الداعي الى القرآن إلا أنهم وجدوا أنفسهم مختارة في قبول ذلك والتمرد عليه، فلم يصبهم زلزال أو طوفان كما أصاب الأوّلين منهم ولم يواجهوا عذابا ملتجئا الى الايمان حتى يؤمنوا، لكنّ عالم التكليف يأبى ذلك وإنما يلزم بإرسال الرسل وإنزال الكتب والنصيحة والموعظة حتى يستفيد من ذلك المستعد للهداية والطالب للصلاح والراغب في الخير، أمّا المرموزون الذين يحاولون إنجاح مقاصدهم فإنهم بلباقتهم اللفظية وبساطة الناس أمامهم يثيرون غبرة ويقيمون للجدل سوقا ويطلبون ذيول الكلام؛ حتى يضيعوا على مخلوقات الله الصادقة دربهم الذي يريدون سلوكه لصلاحهم وفلاحهم وكذلك يفعلون فيعكرون الماء ويلبدون الطريق ويعمون الحقيقة على طالبيها ويهزؤون في بواطنهم من المحقين الجادين في احقاق الحق وابطال الباطل.
[1] سورة الكهف، الآية: 53.
[2] سورة الأعراف، الآية: 187.
[3] سورة النجم، الآية: 42.
[4] سورة الانشقاق، الآية: 6.
[5] سورة الأحزاب، الآية: 10.
[6] الاحتجاج، ج 1، ص 363.
