مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الاشتر
    مشرف قسم المنوع

    • 27-02-2022
    • 2865

    #1

    مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
    اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد


    قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا[1].

    ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَافِي هَذَا الْقُرْآنِ..﴾، ذكرنا فيه للناس مثلا من جنس كل مثل، وقد حذف الموصوف للقرينة لكون القرآن نزولا من عالم الكل أي السعة الى عالم الجزء أي الضيق، فلا بد للانتقال الى المعاني المشتملة عليها من كسوتها بلباس الامثال للانتقال، ويكتفى في ذلك الاتيان من كل نوع أو جنس بمثل واحد.
    وفائدة المثل تكون عامة للخواصّ‌، وخاصّ الخاصّ‌، والنوع، أما للنوع فلأن حدهم حد المحسوسات ودرجة من فوقها فيرون الرقائق، وبسبب ما ذكر ينشرح الذهن لهم وينتقلون من سور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، إن الامر فوق محسوساتهم ومن ذكر فيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين والولدان المخلدين حسنهم وصباهم وهكذا.
    وأما للخواص، فلأنهم ينتقلون من كل دان الى عال، منه الى الاعلى وهكذا، فبمقدار التفكر تصعد الافهام من مرتبة الى مرتبة اعلى، فكأن كل درجة توجب حصول الاستعداد لدرجة الفوق، فاذا وصلت توجب استعداد فوق ذلك، وفي كل صعود تضعف المثلية وتقوى جهة الحقيقة، وحيث إن حقيقته ايضا صاحب المراتب يحصل الانتقال مندرجا الى مقدار قصعة إدراك ذلك الخاص.
    وأما لخاص الخاص فالمثل يكون، كالمرآة من الاول إلا إن التجليات الالهية لدوامها، فمن المرآة إذا شاهد تجليا في هذه الخصوصية، فينتقل الى الاعلى من حيث الحقيقة، والاضعف من حيث الرقيقة، فيحصل له التجلي على هذه المرآة وهكذا.
    فمن كل مثل خاص يحصل الانتقال الى جنس هذا المثل، ومن الجنس يتكثر خصوصياته يحصل له التجليات الكثيرة، إذ كل خصوصية آية من الآيات فيحصل الانتقال من الفرد الى الكل نوعا أو جنسا ومن النوع أو الجنس لهؤلاء الكاملين يحصل الانتقال الى تمام وجودات ذلك النوع أو الشخص، وبالانتقال اليها وحضورها جميعا لديه تحضر عنده آيات كثيرة من آيات الله ويرى من الجميع حسن المحبوب الواحد.
    فهو ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، من شيء الملائكة في حق ومن شيء الجن في حق أو باطل، ومن شيء كائن يوازي الإنسان أيا كان! انسان الحق يجادل في التفتيش عن الحق وتحقيقه بكل مثل، وإنسان الباطل يجادل في تهديم صرح الحق وتحقيق الباطل، وأمثال القرآن تحلّق في أجواء الباطل لإبطاله، وفي أجواء الحق لإحقاقه، دحضا لحجج الباطل دون إبقاء، وقفزا لتحقيق الحق دون إبقاء.
    فكان الجدل في الانسان أكثر شيء أي تغلب هذه الصفة على ساير صفاته، فإن المجادلة إن كانت في الحق، فسببها، الظفر على الحق وإدراك الواقع، وحيث إن الانسان أحد درجاته العقلانية واشتياقها الى الادراكات كاشتياق العطشان الى الماء أو العاشق الى المعشوق، فتمام همته مصروف في ذلك الجدل والظفر.
    وكذلك إذا كان الجدل في الخيالات الصالحة الواقعة في مقام الانتقال الى العالم الاعلى.
    وإذا كانت المجادلة في الباطل فصاحبها قد توجه الى جهة النكران والشيطنة كالكفار.
    ففي النزول الى الشيطنة يصير اعلى من الشيطان، فالمجادلة له ايضا أكثر، فالإنسان في أي درجة كانت يكون الصفة الغالبة عليه المجادلة، نهاية الامر تختلف باختلاف المراتب من حيث الحسن والقبح، فلأجل ذلك ذكر الله ﴿كُلِّ مَثَلٍ﴾، لحصول الانتقال والظفر على المطالب الحقة والباطلة ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
    ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾، لم يمنع الناس من قبول الهداية والتوجه الى مغفرة الله ﴿إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾، أي العذاب الدنيوي النازل عليهم كالعذاب على الامم السابقة فينتظرون نزول العذاب مثل عذابهم ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا
    [2]، أي مقابلا لو قرأ بكسر القاف وفتح الباء أو من قبائل مختلفة لو قرأ بضمهما فيكون جمع القبيلة أي ينتظرون قتلهم أو اقسام قتلهم في الغزوات، كما حصلت من غزوات النبي (صلّى الله عليه وآله) بعد هجرته الى المدينة معهم وقتلهم بأقسام القتل.

    [1] سورة الكهف، الآية: 54.
    [2] سورة الكهف، الآية: 55.

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...