مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الاشتر
    مشرف قسم المنوع

    • 27-02-2022
    • 2865

    #1

    مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
    اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد


    قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا[1].

    تكشف هذه الآيات الشريفة من 60 – 82 عن واحدةٍ من أهمّ أسرار التوحيد ورموزه، والعجيب أنّ القرآن الكريم وإن كان يطرح الكثير من الحقائق التوحيديّة وأسرار مبدأ الوجود بلطافةٍ وظرافةٍ خاصّةٍ ضمن قوالب أدبيّة وبطرقٍ فنيّةٍ وتخصصيّة، إلّا أنّه يُصرّح في هذه الآيات عن كيفيّة نزول إرادة المولى ومشيئته بشكلٍ واضحٍ، ويكشف النقاب عنها كشفًا تامّاً ويشرحها دون أن يراعي ميزان اختلاف عقول المشافهين ونستخلص منها: -
    أوّلًا: إنّ الآيات تدل على أن الذي كان شاهدًا على هذه الأحداث هو النبيّ موسى (عليه السلام) فقط دون صاحبه الذي كان معه، والله تعالى وحده الذي يعلم السرّ في ذلك؛ فهل كان ذاك الشخص عاجزًا عن إدراك هذه المسائل، ولم تكن نفسه قادرةً على هضم هذه المشكلات وحلّها حتّى بعد توضيح الخضر (عليه السلام)؟ أو أنّ هذه المسائل كانت واضحةً له ولم يكن بحاجةٍ لمصاحبته كي يتعلّم منه؟ أو أنّ موسى كان يريد أن يصل وحده إلى رموز بعض الحقائق التوحيديّة، فرأى أنّ مرافقة صاحبه له تتناقض مع هذا الغرض؟ إنّ الإجابة على هذه الأسئلة منحصرٌ فقط بعلّام الغيوب.
    ثانيًا: إنّ هذه الأحداث التي جرت كانت بين النبيّ موسى والخضر، ومن الواضح أنّ النبيّ موسى كان من الأنبياء أولي العزم وصاحب شريعةٍ وكتابٍ، ومن المفترض أن يكون الخضر تحت شريعة النبيّ موسى لا أن يكون أعلى منه وفوق مرتبته.
    فهل يُتصوّر أن يكون النبيّ موسى مع هذه المرتبة التي كان فيها ومقام الرسالة الذي كان لديه غير مطلّعٍ على حقيقة الأعمال والتصرّفات التي قام بها الخضر، وأن يُعتبر جاهلًا في ذلك؟! وهل يمكن أن تكون رتبة الخضر مرجّحة على رتبته من جهة السعة الوجوديّة والعلميّة؟ قطعًا المسألة ليست كذلك، ولا يمكن أن يُقاس الخضر بمرتبة الأنبياء أولي العزم ومقامهم.
    ثالثًا: تتضمّن هذه الآيات إشارةً إلى أنّ النبي موسى لم يتحمّل مشاهدة هذه الوقائع، لا أنّها تشير إلى جهله بالواقع الكامن خلفها وعدم علمه به، ولكنّ الخضر قال مخاطبًا موسى (عليهما السلام): ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‌ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً
    [2]، فالمقصود من ذلك هو نقص إحاطة موسى الوجوديّة في مقام التشريع والتربية، لا النقص في مقام العِلم والاطلاع على وقائع الغيب.
    ولو أمكن أن يرتفع الجهل بتوضيحٍ من الخضر، فما معنى الاعتراض عندئذٍ! ألم يكن لدى موسى ثقة بالخضر بحيث لا يكون الخضر مجبورًا على أن يفصل موسى عنه وألا يرى في مرافقته إيّاه بعد ذلك أيّ مصلحةٍ له! إذن مِن هنا يتضّح أن المراد من مسألة العلم و«الإحاطة خُبرًا» المذكورة في الآيات أمرٌ آخر غير مسألة جلاء الواقع وانكشاف الأسرار من هذه الأفعال‌.
    رابعًا: بعد توضيح الخضر لموسى حقيقة الأمور اقتنع أنّه لا يستطع أن يكمل مصاحبته له وأن يرى أعماله، وقد أقرّ بنفسه بعد الحادثة الثانية للخضر أنّه إن رأى منه أيّ اعتراضٍ بعد ذلك أو سؤالٍ فقد صار معذورًا في التخلّي عن صحبته.

    ولو كان النبيّ موسى ملازمًا للخضر لأجل انكشاف باطن هذه الأمور والسرّ فيها فقط، لكان عليه أن يستمر في ملازمته ومرافقته لكي يكتشف في كلّ يوم سرًا من الأسرار، ويرتفع له في كلّ تصرفٍ من الخضر النقابُ عن شيء من عوالم الغيب، فيضيف إلى علمه علماً آخر، لا أن يحرم نفسه من هذا الفيض الكبير والنعمة العظمى، حتّى لو كان ذلك موجبًا لاعتراض الخضر وصدّه؛ وذلك لأن انكشاف‌ الحقائق ورفع ستار الجهل والضلال حسنٌ وراجحٌ في كلّ مقامٍ، وعليه فينبغي على النبيّ موسى أن يقول للخضر عندئذٍ: «مهما سألتك من أمرٍ أو أشكلت على فعلك، فلا ترتّب على ذلك أيّ أثرٍ، بل قم بوظيفتك واشتغل بمهمّتك وأخبرني حقيقة الأمور»، أي إشكال في ذلك؟ إذن لا بد أن يكون الأمر شيئًا آخر.

    [1] سورة الكهف، الآية: 60.
    [2] سورة الكهف، الآية: 68.

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...