بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾[1].
قوله عز وجل: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾، الآيتان اللاحقتان تدلان على أنه كان حوتا مملوحا أو مشويا حملاه ليرتزقا به في المسير ولم يكن حيا وإنما حي هناك واتخذ سبيله في البحر ورآه الفتى وهو حي يغوص في البحر ونسي أن يذكر ذلك لموسى ونسي موسى أن يسأله عنه أين هو؟
وقد ورد ((لَمَّا أَخْبَرَ رَسُولُ اَللهِ (صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) قُرَيْشاً بِخَبَرِ أَصْحَابِ اَلْكَهْفِ قَالُوا أَخْبِرْنَا عَنِ اَلْعَالِمِ اَلَّذِي أَمَرَ اَللهُ مُوسَى أَنْ يَتْبَعَهُ وَمَا قِصَّتُهُ فَأَنْزَلَ اَللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ..... فَأَخْرَجَ وَصِيُّ مُوسَى اَلْحُوتَ وَغَسَلَهُ بِالْمَاءِ وَوَضَعَهُ عَلَى اَلصَّخْرَةِ وَمَضَيَا وَنَسِيَا اَلْحُوتَ وَكَانَ ذَلِكَ اَلْمَاءُ مَاءَ اَلْحَيَوَانِ فَحَيِيَ اَلْحُوتُ وَدَخَلَ فِي اَلْمَاءِ فَمَضَى مُوسَى عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ....))[2].
وعلى هذا فمعنى ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ بنسبة النسيان إليهما معا: نسيا حال حوتهما فموسى نسي كونه في المكتل فلم يتفقده والفتى نسيه إذ لم يخبر موسى بعجيب ما رأى من أمره. هذا ما ذكروه.
واعلم أن الآيات غير صريحة في حياة الحوت بعد ما كان ميتا بل ظاهر قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾، وكذا قوله: ﴿نَسِيتُ الْحُوتَ﴾[3]، أن يكونا وضعاه في مكان من الصخرة مشرف على البحر فيسقط في البحر أو يأخذه البحر بمد ونحوه فيغيب فيه ويغور في أعماقه بنحو عجيب كالدخول في السرب ويؤيده ما في بعض الروايات أن العلامة كانت هي افتقاد الحوت لا حياته والله أعلم.
وقوله: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾، السرب المسلك والمذهب والسرب والنفق الطريق المحفور في الأرض لا نفاذ فيه كأنه شبه السبيل الذي اتخذه الحوت داخل الماء بالسرب الذي يسلكه السالك فيغيب فيه.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾[4]، قال في المجمع: النصب والوصب والتعب نظائر، وهو الوهن الذي يكون عن كد انتهى، والمراد بالغداء ما يتغدى به وفيه دلالة على أن ذلك كان في النهار.
والمعنى: ولما جاوزا مجمع البحرين أمر موسى فتاه أن يأتي بالغداء وهو الحوت الذي حملاه ليتغديا به ولقد لقيا من سفرهما تعبا.
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾، إلى آخر الآية يريد حال بلوغهم مجمع البحرين ومكثهم هناك فقد كانت الصخرة هناك والدليل عليه قوله: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾، إلخ وقد ذكر فيما مر أنه كان بمجمع البحرين، يقول لموسى: لا غداء عندنا نتغدى به فإن غداءنا وهو الحوت حي ودخل البحر وذهب حينما بلغنا مجمع البحرين وأوينا إلى الصخرة التي كانت هناك وإني نسيت أن أخبرك بذلك.
فقوله في الآية 63: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾، يذكره حال أويهما إلى الصخرة ونزولهما عندها ليستريحا قليلا، وقوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾، أي نسيت حال الحوت التي شاهدتها منه فلم أذكرها لك، والدليل على هذا المعنى - كما قيل - قوله: ﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾، فإن ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، بدل من ضمير ﴿أَنسَانِيهُ﴾، والتقدير «وما أنساني ذكر الحوت لك إلا الشيطان» فهو لم ينس نفس الحوت وإنما نسي أن يذكر حاله التي شاهد منه لموسى.
ولا ضير في نسبة الفتى نسيانه إلى تصرف من الشيطان بناء على أنه كان يوشع بن نون النبي والأنبياء في عصمة إلهية من الشيطان لأنهم معصومون مما يرجع إلى المعصية وأما مطلق إيذاء الشيطان فيما لا يرجع إلى معصية فلا دليل يمنعه قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾[5].
وقوله: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾، أي اتخاذا عجبا فعجبا وصف قام مقام موصوفه على المفعولية المطلقة، وقيل: إن قوله: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾، قول الفتى وقوله: ﴿عَجَبًا﴾، من قول موسى، والسياق يدفعه.
واعلم أن ما تقدم من الاحتمال في قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾، إلخ جار هاهنا والله أعلم.
[1] سورة الكهف، الآية: 61.
[2] بحار الأنوار، ج 13، ص 278.
[3] سورة الكهف، الآية: 63.
[4] سورة الكهف، الآية: 62.
[5] سورة ص، الآية: 41.
