كتب : الشيخ مصطفى رافد السعيدي
في : 2026/08/21
يبرز نبيُّ الله داوود (عليه السلام) في محراب العبادة ملكاً نبيّاً، وصوتاً شجيّاً يسبّح مع الجبال والطير بقلبٍ خاشع. غير أنّ بعض القراءات التاريخية المتأثّرة بالإسرائيليات قد نسجت حوله قصصاً واهية تخدش الحياء، فادّعت وقوعه في حبّ امرأة أحد قادته (أوريا)، وسعيه للزواج منها بطرقٍ ملتوية، وهذا افتراءٌ باطلٌ يصطدم بقوة مع قدسيّة النبوّة وعصمة الأنبياء (عليهم السلام)، الذين هم أرفع الناس أخلاقاً وأصدقهم وجداناً في السرّ والعلانية.
إنّ الفتنة التي ذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾(١)، لم تكن معصيةً أخلاقية، بل كانت فتنةً في القضاء؛ إذ خالف القاعدة العامّة في مطالبة المدّعي بالبيّنة، فلم يطالبه بها لعلمه بصدق دعواه، فاستغنى عن البينة وحكم له مباشرة. وتُعدّ هذه من (الذنوب الدّقّيّة) التي هي تركٌ للأولى في أصول المرافعة، ولا تنافي العصمة المطلقة للنبي. والدليل القاطع على نبله وصفُ الخالق له بقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾(٢)، ووعدُه له بالزلفى وحسن المآب؛ فالله تعالى لا يمدح من يقترف الرذائل.
وفي مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ينجلي الحقّ بأبهى صوره؛ فقد رُوي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: «إنّ المرأة في أيّام داود كانت إذا مات بعلها أو قُتل لا تتزوّج بعده أبداً، وأوّل من أباح اللّه عزّ وجلّ له أن يتزوّج بامرأة قُتل بعلها داود (عليه السّلام)، فذلك الذي شقّ علی الناس من قِبل أوريّا»(٣).
لقد كان داوود (عليه السلام) طاهراً من كدر الهوى، منزّهاً عن دنس الشهوات، وكان سجوده قمّةً في الانكسار والاعتذار عن ذلك الإجراء القضائي الدقيق بين يدي الملك القدوس جلّ جلاله.
لقد ظلّ داوود (عليه السلام) طاهراً شامخاً، وكان محرابه مدرسةً متكاملة للتقوى والعدالة. فالعصمة تقتضي نبل المقصد وطهارة السيرة ممّا قد يُنفّر القلوب المؤمنة.
فلنستلهم من نبيّ الله داوود (عليه السلام) أنّ الاستغفار زينةُ الأقوياء الصالحين، وأن مراقبة النفس في التفاصيل سبيل المتّقين، ولتبقَ سيرته (عليه السلام) منارةً تُعلّمنا أنّ كمال العبودية يتجلّى في الإنابة المستمرة لخالق السماوات والأرض.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(١) سورة ص: الآية ٢٤.
(٢) سورة ص: الآية ٣٠.
(٣) عيون أخبار الرضا (ع): ج١، ص١٧٠-١٧٣.
عرض أقل
