سورة يوسف والتشكيل التربوي للشخصية: بناء الإنسان بين المحنة والحكمة
أ. د علي حسين يوسف
حين تُقرأ سورة يوسف قراءةً تربويةً عميقة، فإنَّ القارئ سيتأكد لديه أنَّه أمام سرديّة إنسانيّة كبرى تتجاوز دلالاتها حدود الحكاية إلى بناء النفس وتنمية الوعي وتأثيث الضمير, وهذا ليس مستغربا فهي السورة التي اختارها القرآن الكريم لتكون (أحسن القصص) : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، وأعتقد أنَّ الحُسن هنا يشتمل على حُسن السرد وعلى ما تُنتجه القصّة من معرفة بالإنسان في الوقت نفسه. إنّها نصٌّ يكشف كيف تُصنع الشخصية من مخاضات الألم، وكيف تتحوَّل المحنة إلى دروس تربوية ناجعة، وكيف تكون السلطة امتحاناً أخلاقيّاً العائلة ميداناً لتكوين النفس.
تبدأ السورة بإشارة تربوية شديدة الرهافة تتعلق بالإنصات إلى الطفل واحترام عالمه الداخلي. يقول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ لم يتعامل يعقوب مع رؤيا ابنه بوصفها هذيان طفولة, فقد تلقّاها بجدية المربّي الحكيم والأب المتفهم, وهنا تؤسس السورة مبدأ تربوياً خطيراً وهو: إنَّ التربية العظيمة تبدأ من احترام دهشة الطفل وأسئلته وأحلامه الصغيرة. وقد أشار جان جاك روسو في كتابه (إميل) إلى أنَّ الطفل لا ينبغي أن يُعامل كراشد ناقص فهو كائن له عالمه الخاص وطريقته الخاصة في اكتشاف الوجود. وهذا ما فعله يعقوب بالضبط؛ إذ لم يُطفئ الخيال المبكر ولم يتجاهل أو يسخر لأنّه يدرك أن قتل الخيال أوّل أشكال قتل الشخصية, ثم تأتي الإشارة التربوية الأهمّ في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ هنا يضعنا الله تعالى أمام مبدأ آخر مفاده أنّ التربية الحقّة تقوم على فهم النفس البشرية وليس على السذاجة الأخلاقية, فالمربي الحقيقي لا يربّي أبناءه على الطيبة المجرَّدة وحدها وكأن العالم مثالي لا منغصات فيه, فهناك كُره وغيرة وحسد, ومن الضروري أن يربّى الطفل على معرفة أنَّ الحسد جزء من الطبيعة الإنسانية حين تضعف الروح أمام ما يمتلكه الآخر, وقد أشار إلى ذلك الإمام علي بن أبي طالب ع حين قال: (كلُّ ذي نعمة محسود) على أن لا تفهم هذه الحكمة أنّها دعوة إلى الارتياب من الناس إنّما هي حكمة تدعو إلى بناء التوازن النفسي؛ فليس كلّ ما في القلب يُقال وليس كلّ الناس يحتملون تميّز الآخرين وتكريمهم, وهذا ما كشفته السورة من خطر الاختلال العاطفي الذي حصل داخل أسرة يعقوب ع وهو نبي من أنبياء الله حين قال الإخوة: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ فقد حوَّل الشعور بالتمييز ـ (وقد بني على وهم من قبل الأخوة لأنَّنا أمام أب نبيّ معصوم) الأخوّة إلى خصومة قاتلة أضمرها الأخوة نتيجة شعورهم بالحرمان العاطفي كما ظنوا واهمين وهو شعور مؤلم جداً أشارت له عالمة التربية الإيطالية ماريا مونتيسوري (ت 1952) حين أكدت على أنَّ الطفل الذي يُحرم من الاعتراف العاطفي ينمو وفي داخله شعور دفين بالنقص والعداء, فالعدالة التربوية يجب أن تتجاوز عدالة الطعام والملبس إلى عدالة الانتباه والحنان والاحتواء.
وفي السورة معالجة لواحدة من أعقد القضايا التربويّة, وهي: تربية الإرادة أمام الإغراء. يقول تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾، ثم يقول على لسان يوسف: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ نلاحظ هنا أنّ النص القرآني لا ينفي وجود الرغبات والغرائز لكنّه يربي الإنسان على إدارتها, وهنا تكمن عظمة هذه التربية الواقعية التي لا تتنكر للغرائز الأصلية لتقرّ بوجودها لكنّها في الوقت ذاته تحاول أن تصنع إنساناً قادراً على ضبطها وتوجيهها بما ينسجم والتشريعات الإلهيّة. وقد قال الإمام علي ع: (أفضلُ الجهاد جهادُ النفس) وهنا نكون أمام حقيقة: وهي أنّ نشوة الانتصار الحقيقي مثلما تتحقق في ساحات القتال قد تتحقق في اللحظة التي ينتصر فيها الإنسان على اندفاعه الداخلي.
وفي مشهد السجن تتجلى فلسفة تربوية أخرى، وهي أنّ الإنسان لا ينبغي أن يربط قيمته بالظروف التي يمرّ بها ويهوّن منها في لحظات المحنة, فقد تكون مثل هذه اللحظات مدعاة لإثبات الذات وتنمية الأنا. يقول تعالى: ﴿ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إنّي أراني أعصر خمراً وقال الآخر إنّي أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنّا نراك من المحسنين ﴾، وبناء على هذا الطلب قام يوسف ع بممارسة دوره المعرفي والدعوي داخل السجن فلم يحول ألم السجن والمظلومية إلى شلل إنّما حصل العكس تماماً, وهنا يمكن أن نرصد فكرة قريبة ممّا طرحه الفيلسوف التربوي البرازيلي (باولو فريري ت 1997) حول تعليم المقهورين حين رأى أنّ الإنسان يستطيع أن يحافظ على فاعليته حتى تحت القهر، وأنَّ الوعي بالقهر هو أوّل أشكال الحرية , وهذا ما كان عليه النبي يوسف تماماً.
وتبلغ السورة ذروة النضج التربوي في لحظات ممارسة السلطة, فحين أصبح يوسف صاحب منصب وقوة لم يستعمل السلطة للانتقام ممَّن ظلمه, فقد قال لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إيماناً منه بأنّ التربية التي لا تنتج إنساناً قادراً على العفو تبقى تربية ناقصة, وقد أشار الإمام علي ع إلى ذلك بقوله (إذا قدرتَ على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه) فالسلطة تكشف حقيقة الأخلاق؛ إذ يستطيع الضعيف أن يبدو رحيماً لأنّه عاجز عن البطش أصلاً، أمّا القادر على العقوبة ثم يختار الصفح فهو الذي بلغ مرتبة السمو الأخلاقي.
ومن أعمق الإشارات التربوية في السورة أنَّ الآلام مع قسوتها قد تعود بالنفع على الإنسان, فقد مر يوسف بعذابات الجبّ والبيع والغربة والسجن والاتهام بالخيانة لكن هذه المِحن تحولت إلى عناصر فاعلة لصقل شخصيته. يقول تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وهنا نكون أمام درس تربوي عظيم فالسورة تعلّم الإنسان أنَّ الصبر هو قدرة على الحفاظ على المعنى وسط الفوضى, فهو ليس استسلاماً أبداً, وهو الأمر ذاته الذي أشار إليه الفيلسوف الأمريكي المشهور (جون ديوي ت 1952) حينما أكد على أنّ الخبرة المؤلمة قد تكون من أعظم أدوات التعلم إذا امتلك الإنسان القدرة على تحويلها إلى وعي.
وفي ختام السورة نجد أنفسنا أنّنا أمام تلخيص تربوي لكلّ ما تقدم, فقد وصل النبي يوسف إلى ذروة الإدراك الروحي حين قال: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ﴾ ومعنى ذلك إنّه كان متصالحا تماماً مع القدر الإلهي, وهكذا هو الإنسان الناضج فهو لا يقرأ حياته بوصفها سلسلة مصادفات عمياء؛ فحياتنا في حقيقتها عبارة عن مسارات من الحكمة والألم تلتقي فيها التربية بالإيمان ليصبح الهدف النهائي من هذا الوجود هو بناء إنسان قادر على الثبات النفسي والأخلاقي مهما تبدّلت الظروف.
ويمكن التأكيد أخيراً على أن سورة يوسف نص تربوي خالد لأنها لم تطرح مبادئ مثالية بعيدة عن الواقع، فقد قدمت الإنسان بكل تناقضاته: طفلا يحلم، وأبا يخاف على ولده، وإخوةً يحسدون، وامرأةً تُغري، وسجينا يصبر، وحاكما يرضخ للحقيقة فيعفو؛ إنها تربية ترى الإنسان كما هو ثم تحاول أن ترفعه درجةً درجة نحو اكتماله الأخلاقي والروحي.
أ. د علي حسين يوسف
حين تُقرأ سورة يوسف قراءةً تربويةً عميقة، فإنَّ القارئ سيتأكد لديه أنَّه أمام سرديّة إنسانيّة كبرى تتجاوز دلالاتها حدود الحكاية إلى بناء النفس وتنمية الوعي وتأثيث الضمير, وهذا ليس مستغربا فهي السورة التي اختارها القرآن الكريم لتكون (أحسن القصص) : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، وأعتقد أنَّ الحُسن هنا يشتمل على حُسن السرد وعلى ما تُنتجه القصّة من معرفة بالإنسان في الوقت نفسه. إنّها نصٌّ يكشف كيف تُصنع الشخصية من مخاضات الألم، وكيف تتحوَّل المحنة إلى دروس تربوية ناجعة، وكيف تكون السلطة امتحاناً أخلاقيّاً العائلة ميداناً لتكوين النفس.
تبدأ السورة بإشارة تربوية شديدة الرهافة تتعلق بالإنصات إلى الطفل واحترام عالمه الداخلي. يقول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ لم يتعامل يعقوب مع رؤيا ابنه بوصفها هذيان طفولة, فقد تلقّاها بجدية المربّي الحكيم والأب المتفهم, وهنا تؤسس السورة مبدأ تربوياً خطيراً وهو: إنَّ التربية العظيمة تبدأ من احترام دهشة الطفل وأسئلته وأحلامه الصغيرة. وقد أشار جان جاك روسو في كتابه (إميل) إلى أنَّ الطفل لا ينبغي أن يُعامل كراشد ناقص فهو كائن له عالمه الخاص وطريقته الخاصة في اكتشاف الوجود. وهذا ما فعله يعقوب بالضبط؛ إذ لم يُطفئ الخيال المبكر ولم يتجاهل أو يسخر لأنّه يدرك أن قتل الخيال أوّل أشكال قتل الشخصية, ثم تأتي الإشارة التربوية الأهمّ في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ هنا يضعنا الله تعالى أمام مبدأ آخر مفاده أنّ التربية الحقّة تقوم على فهم النفس البشرية وليس على السذاجة الأخلاقية, فالمربي الحقيقي لا يربّي أبناءه على الطيبة المجرَّدة وحدها وكأن العالم مثالي لا منغصات فيه, فهناك كُره وغيرة وحسد, ومن الضروري أن يربّى الطفل على معرفة أنَّ الحسد جزء من الطبيعة الإنسانية حين تضعف الروح أمام ما يمتلكه الآخر, وقد أشار إلى ذلك الإمام علي بن أبي طالب ع حين قال: (كلُّ ذي نعمة محسود) على أن لا تفهم هذه الحكمة أنّها دعوة إلى الارتياب من الناس إنّما هي حكمة تدعو إلى بناء التوازن النفسي؛ فليس كلّ ما في القلب يُقال وليس كلّ الناس يحتملون تميّز الآخرين وتكريمهم, وهذا ما كشفته السورة من خطر الاختلال العاطفي الذي حصل داخل أسرة يعقوب ع وهو نبي من أنبياء الله حين قال الإخوة: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ فقد حوَّل الشعور بالتمييز ـ (وقد بني على وهم من قبل الأخوة لأنَّنا أمام أب نبيّ معصوم) الأخوّة إلى خصومة قاتلة أضمرها الأخوة نتيجة شعورهم بالحرمان العاطفي كما ظنوا واهمين وهو شعور مؤلم جداً أشارت له عالمة التربية الإيطالية ماريا مونتيسوري (ت 1952) حين أكدت على أنَّ الطفل الذي يُحرم من الاعتراف العاطفي ينمو وفي داخله شعور دفين بالنقص والعداء, فالعدالة التربوية يجب أن تتجاوز عدالة الطعام والملبس إلى عدالة الانتباه والحنان والاحتواء.
وفي السورة معالجة لواحدة من أعقد القضايا التربويّة, وهي: تربية الإرادة أمام الإغراء. يقول تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾، ثم يقول على لسان يوسف: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ نلاحظ هنا أنّ النص القرآني لا ينفي وجود الرغبات والغرائز لكنّه يربي الإنسان على إدارتها, وهنا تكمن عظمة هذه التربية الواقعية التي لا تتنكر للغرائز الأصلية لتقرّ بوجودها لكنّها في الوقت ذاته تحاول أن تصنع إنساناً قادراً على ضبطها وتوجيهها بما ينسجم والتشريعات الإلهيّة. وقد قال الإمام علي ع: (أفضلُ الجهاد جهادُ النفس) وهنا نكون أمام حقيقة: وهي أنّ نشوة الانتصار الحقيقي مثلما تتحقق في ساحات القتال قد تتحقق في اللحظة التي ينتصر فيها الإنسان على اندفاعه الداخلي.
وفي مشهد السجن تتجلى فلسفة تربوية أخرى، وهي أنّ الإنسان لا ينبغي أن يربط قيمته بالظروف التي يمرّ بها ويهوّن منها في لحظات المحنة, فقد تكون مثل هذه اللحظات مدعاة لإثبات الذات وتنمية الأنا. يقول تعالى: ﴿ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إنّي أراني أعصر خمراً وقال الآخر إنّي أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنّا نراك من المحسنين ﴾، وبناء على هذا الطلب قام يوسف ع بممارسة دوره المعرفي والدعوي داخل السجن فلم يحول ألم السجن والمظلومية إلى شلل إنّما حصل العكس تماماً, وهنا يمكن أن نرصد فكرة قريبة ممّا طرحه الفيلسوف التربوي البرازيلي (باولو فريري ت 1997) حول تعليم المقهورين حين رأى أنّ الإنسان يستطيع أن يحافظ على فاعليته حتى تحت القهر، وأنَّ الوعي بالقهر هو أوّل أشكال الحرية , وهذا ما كان عليه النبي يوسف تماماً.
وتبلغ السورة ذروة النضج التربوي في لحظات ممارسة السلطة, فحين أصبح يوسف صاحب منصب وقوة لم يستعمل السلطة للانتقام ممَّن ظلمه, فقد قال لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إيماناً منه بأنّ التربية التي لا تنتج إنساناً قادراً على العفو تبقى تربية ناقصة, وقد أشار الإمام علي ع إلى ذلك بقوله (إذا قدرتَ على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه) فالسلطة تكشف حقيقة الأخلاق؛ إذ يستطيع الضعيف أن يبدو رحيماً لأنّه عاجز عن البطش أصلاً، أمّا القادر على العقوبة ثم يختار الصفح فهو الذي بلغ مرتبة السمو الأخلاقي.
ومن أعمق الإشارات التربوية في السورة أنَّ الآلام مع قسوتها قد تعود بالنفع على الإنسان, فقد مر يوسف بعذابات الجبّ والبيع والغربة والسجن والاتهام بالخيانة لكن هذه المِحن تحولت إلى عناصر فاعلة لصقل شخصيته. يقول تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وهنا نكون أمام درس تربوي عظيم فالسورة تعلّم الإنسان أنَّ الصبر هو قدرة على الحفاظ على المعنى وسط الفوضى, فهو ليس استسلاماً أبداً, وهو الأمر ذاته الذي أشار إليه الفيلسوف الأمريكي المشهور (جون ديوي ت 1952) حينما أكد على أنّ الخبرة المؤلمة قد تكون من أعظم أدوات التعلم إذا امتلك الإنسان القدرة على تحويلها إلى وعي.
وفي ختام السورة نجد أنفسنا أنّنا أمام تلخيص تربوي لكلّ ما تقدم, فقد وصل النبي يوسف إلى ذروة الإدراك الروحي حين قال: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ﴾ ومعنى ذلك إنّه كان متصالحا تماماً مع القدر الإلهي, وهكذا هو الإنسان الناضج فهو لا يقرأ حياته بوصفها سلسلة مصادفات عمياء؛ فحياتنا في حقيقتها عبارة عن مسارات من الحكمة والألم تلتقي فيها التربية بالإيمان ليصبح الهدف النهائي من هذا الوجود هو بناء إنسان قادر على الثبات النفسي والأخلاقي مهما تبدّلت الظروف.
ويمكن التأكيد أخيراً على أن سورة يوسف نص تربوي خالد لأنها لم تطرح مبادئ مثالية بعيدة عن الواقع، فقد قدمت الإنسان بكل تناقضاته: طفلا يحلم، وأبا يخاف على ولده، وإخوةً يحسدون، وامرأةً تُغري، وسجينا يصبر، وحاكما يرضخ للحقيقة فيعفو؛ إنها تربية ترى الإنسان كما هو ثم تحاول أن ترفعه درجةً درجة نحو اكتماله الأخلاقي والروحي.
