بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
كان سجاد في الثانية عشرة من عمره، يحب مشاهدة المقاطع القصيرة.
في البداية كان يدخل ليضحك قليلًا، ثم يغلق الهاتف.
لكن شيئًا تغير بالتدريج...
صار يفتح التطبيق عندما يستيقظ، وقبل أن ينام، وأثناء الطعام، وحتى عندما يجلس مع عائلته.
كان يقول لنفسه:
"خمس دقائق فقط."
لكن الخمس دقائق كانت تتحول إلى ساعة.
وفي يوم من الأيام ظهر له شاب مشهور جدًا.
كان لديه ملايين المتابعين، وسيارات فخمة، وملابس جميلة، ويسافر باستمرار.
قال سجاد لأخيه:
— هذا الإنسان حياته كلها فرح!
ضحك أخوه وقال:
— أنت متأكد؟
— طبعًا! انظر بنفسك!
وبدأ سجاد يتابع حسابه يوميًا.
كل يوم فيديو جديد.
بيت جميل.
مطعم فاخر.
سفر.
هدايا.
ضحك.
حفلات.
حتى بدأ سجاد يقارن حياته بحياته.
نظر إلى غرفته الصغيرة وقال:
"لماذا حياتي ليست مثل حياته؟"
ثم بدأ يشعر أن حياته عادية جدًا.
وفي المدرسة، كان هناك طالب اسمه حسن.
لم يكن مشهورًا.
لا يملك هاتفًا غاليًا.
ولا يصور نفسه.
وكان بعض الطلاب يضحكون عليه ويقولون:
— أنت متخلف ما عندك حساب؟
فكان يضحك منهم ويقول:
— شخصيتي ليست للشهره وحياتي ليست للعرض أنها لله والله لا تخفى عليه خافيه.
فيجيبه أحدهم:
— أنت ما عندك شي مهم!
كان سجاد يسمع هذا الكلام ويضحك معهم أحيانًا.
لكن في داخله بدأ يشعر بشيء غريب.
لماذا أصبح عدد المتابعين مقياسًا لقيمة الإنسان؟
وفي أحد الأيام حدث شيء غريب.
انتشر مقطع لذلك المشهور الذي يتابعه سجاد.
كان المقطع يقول إن هذا الشخص خسر كل أمواله.
بدأ الناس يكتبون:
"انتهى!"
"فشل!"
"كان يمثل علينا!"
دخل سجاد إلى التعليقات.
وجد آلاف الأشخاص يضحكون عليه.
بعضهم كان يفرح بسقوطه.
وبعضهم يشتمه.
فقال سجاد:
— سبحان الله... قبل أسبوع كانوا يحبونه، واليوم يكرهونه!
فقال حسن:
— هذا هو عالم الشهرة.
— ماذا تقصد؟
قال حسن:
— أحيانًا الناس لا يحبون الشخص نفسه، بل يحبون الصورة التي صنعها لهم.
توقف سجاد قليلًا.
كانت جملة بسيطة...
لكنها بقيت في رأسه.
وبعد أيام...
دخل سجاد إلى غرفة والده، فوجده يشاهد مقطعًا على هاتفه.
قال سجاد:
— أبي، هل تعرف هذا الشخص؟
نظر والده إلى الشاشة.
— نعم.
— هل تعرف أنه خسر كل شيء؟
ابتسم والده وقال:
— هل خسر كل شيء فعلًا؟
استغرب سجاد:
— نعم! أليس واضحًا؟
قال والده:
— أنت رأيت ما ظهر أمام الكاميرا فقط.
ثم وضع الهاتف جانبًا وقال:
— يا بني، هناك شيء مهم جدًا في الحياة:
الكاميرا تستطيع أن تظهر لك دقيقة واحدة من حياة الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تظهر لك حياته كلها.
سكت سجاد.
تابع والده:
— قد ترى إنسانًا يضحك أمام الكاميرا، ولا ترى ما يحدث عندما يغلقها .
— وقد ترى إنسانًا يملك المال، ولا ترى قلبه.
— وقد ترى إنسانًا مشهورًا، ولا تعرف ماذا سيكون حاله بعد عشر سنوات.
— وقد ترى إنسانًا فقيرًا لا يعرفه أحد، لكنه عند الله أعظم من آلاف المشاهير.
ثم قال:
"لا تجعل الشاشة تعلمك كيف تقيس قيمة الإنسان."
في تلك الليلة...
فتح سجاد هاتفه كعادته.
ظهر له فيديو جديد.
شاب يستعرض سيارة فاخرة.
ثم فيديو لشخص يوزع أموالًا.
ثم فتاة تستعرض بيتًا جميلًا.
ثم شخص يضحك على رجل فقير.
ثم شخص يسخر من الدين.
ثم مقطع آخر يقول:
"إذا أردت أن تصبح مشهورًا، افعل أي شيء!"
شعر سجاد لأول مرة أن شيئًا غير طبيعي يحدث.
قال لنفسه:
"لماذا أشاهد كل هذا؟"
ثم تذكر كلام أبيه:
"الكاميرا تستطيع أن تظهر لك دقيقة من حياة الإنسان، لكنها لا تظهر لك حياته كلها."
فأغلق الهاتف.
لكن بعد دقيقة فتحه مرة أخرى.
ضحك.
ثم أغلقه.
ثم فتحه.
ثم أغلقه.
وبدأ يكتشف شيئًا مخيفًا:
لم يعد هو الذي يختار ماذا يشاهد... بل أصبح التطبيق يختار له.
وبعد فترة، حدث موقف لن ينساه سجاد.
في المدرسة، سقط أحد الطلاب أمام الجميع.
كان موقفًا محرجًا جدًا.
أخرج أحد الطلاب هاتفه وصوره.
ضحك الجميع.
ثم قال:
— سأرفع الفيديو، سيحصل على آلاف المشاهدات!
ضحك سجاد معهم في البداية.
لكن حسن اقترب منه وقال:
— لو كنت أنت مكانه، هل ستفرح عندما ينتشر الفيديو؟
سكت سجاد.
قال حسن:
— إذن لماذا نفعل بالآخرين ما لا نرضاه لأنفسنا؟
كانت هذه أقوى من أي محاضرة.
طلب سجاد من الطالب أن يحذف الفيديو.
وبعد نقاش قصير، حُذف.
وفي طريق العودة إلى البيت، كان سجاد يفكر:
"ربما الشهرة ليست دائمًا شيئًا جميلًا."
وفي تلك الليلة قرأ سجاد آية كان والده قد كتبها له:
﴿ وَ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّـهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
فسأل:
— أبي، ما علاقة هذه الآية بالذي يحدث معنا على الهاتف؟
قال والده:
— علاقة كبيرة.
— كيف؟
قال:
— يا بني، القرآن يعلمنا ألا ننخدع بما نراه من قوة الباطل والفواحش وانتشارها.
قد ترى الباطل منتشرًا، وقد ترى الخطأ يحصل على ملايين المشاهدات، وقد ترى شخصًا يسخر من القيم فيصبح مشهورًا.
لكن انتشار الشيء لا يجعله صحيحًا.
ثم قال:
— تخيل أن عشرة ملايين شخص ضغطوا زر الإعجاب على شيء خاطئ.
هل يصبح صحيحًا؟
هز سجاد رأسه:
— لا.
— وإذا لم يعجب أحد بفعل صحيح، هل يصبح خطأ؟
— لا.
ابتسم والده:
— إذن لا تجعل عدد الإعجابات يخبرك من أنت.
ومنذ ذلك اليوم لم يترك سجاد الهاتف.
لكنه تغير.
صار عندما يشاهد شيئًا يسأل نفسه:
هل هذا مفيد؟
هل يجعلني أفضل؟
هل يحترم عقل الإنسان؟
هل يسخر من أحد؟
هل يجعلني أقارن حياتي بالآخرين؟
هل يبعدني عن الصلاة والقرآن وأهلي ودراستي؟
وإذا وجد نفسه يشاهد شيئًا فقط لأنه مثير، رغم أنه لا ينفعه...
كان يغلقه.
وفي أحد الأيام قال له حسن:
— لماذا تغيرت؟
ابتسم سجاد وقال:
— اكتشفت أن هناك فرقًا بين أن أمتلك الهاتف...
وبين أن يمتلك الهاتف وقتي وعقلي.
وبعد سنوات...
كبر سجاد.
وبقي يتذكر ذلك اليوم.
لم يصبح عدوًا للتكنولوجيا.
بل أصبح يعرف كيف يستخدمها دون أن يسمح لها باستخدامه.
وكان كلما يرى شخصًا يقيس قيمته بعدد المشاهدات، يتذكر الحقيقة التي تعلمها صغيرًا:
ليس كل ما يلمع نجاحًا.
وليس كل من اشتهر عظيمًا.
وليس كل من تأخر نجاحه فاشلًا.
وليس كل ما يحبه الناس يحبه الله.
والأهم:
لا تجعل نجاح الآخرين الظاهري يحزنك، ولا تجعل انتشار الباطل يجعلك تشك في الحق.
فالله لا ينظر إلى عدد المشاهدات.
ولا إلى عدد المتابعين.
ولا إلى عدد الإعجابات.
إنما ينظر إلى القلب والعمل والعاقبة.
وهنا فهم سجاد معنى الآية لأول مرة:
﴿وَ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّـهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.﴾
"لا تجعل ما تراه أمامك يهزمك من الداخل؛ فأنت لا ترى الصورة كاملة... والله يرى الصورة كلها."
(ما كانَ اللَّـهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ ما كانَ اللَّـهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ )
