مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الاشتر
    مشرف قسم المنوع

    • 27-02-2022
    • 2880

    #1

    مفردات قيّمة من القرآن الكريم، ﴿مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
    اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد


    قال الله تعالى: ﴿... ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا[1].

    من الملاحظ أن عدم الاستطاعة المشار اليها في الآية الشريفة نستشف منها ومن خلال مجموعة الآيات المتعلقة بقصة موسى مع الخضر (عليهما السلام) الكثير مما يتعلق بالعلم وآدابه: -
    أولا: لم يكن الخضر (عليه السلام) هو الأعلم من جميع الجهات، فموسى (عليه السلام) كان أعلم منه بالرسالة السماويّة التي أرسله الله ليبلّغها للناس، وإلّا، لكان الواجب إرسال الخضر عليه السلام عوضاً عنه.
    ثانيا: تدلُّ الآيات على اختصاص الخضر بعلم لم يكن نبيُّ الله موسى (عليهما السلام) قد علم به من قبل الله تعالى، وهذا المقدار لا مانع منه عقلا ولا اعتقادا، فأيّ محذور عقليّ يمنع من أن يختصّ الله تعالى بعض عباده بعلم ويحجبه عن نبيِّه؟!
    نعم، لا يصحّ اعتقاداً أن يكون الخضر أعلم من موسى (عليهما السلام) فيما يتّصل بالشأن التشريعيّ والعقائديّ؛ وذلك لأنَّ مهمّته تقتضي الإحاطة التامّة بذلك.
    أمّا أن يختصّ الله تعالى بعض عباده ببعض أسراره الغيبيّة لحكمة اقتضتها العناية الإلهيّة، فذلك أمر ممكن.
    وقد بيّنت الروايات الشريفة أعلميّة النبي موسى (عليه السلام)، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): ((كان موسى عليه السلام أعلم من الخضر))
    [2].
    وأفاد بعضها أنَّ ما اختصّ الله تعالى به الخضر (عليه السلام) من العلم ببعض المغيبات كان من أجل مهمّة خاصّة، لم يكن لها اتّصال بالدعوة والتبليغ والتشريع، فعن الإمام الرضا (عليه السلام)، ((أنَّ الخضر لما طلب موسى منه أن يُعلِّمه قال له: إنِّي قد وُكِّلت بأمرٍ لا تُطيقه ووكِّلتَ بأمرٍ لا أُطيقه))
    [3].
    ثالثا: تؤكد الآيات الاسلوب الوديع الذي يعبّر عن روح التواضع للعلم والعلماء، من دون نظر الى طبيعة المركز الاجتماعي أو الديني الذي يقف فيه العالم والمتعلم، فنحن نجد الأدب الرسالي في هذه الكلمات الهادئة المتعطشة للعلم التي خاطب بها موسى (عليه السلام) هذا العبد الصالح: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا
    [4].
    رابعا: الأسلوب الواقعي الذي يعبِّر عن الروح العملية التي يعيشها العالم تجاه المتعلمين، بعيداً عن أيّة مجاملة تفرضها الأوضاع الاجتماعية، أو أيّ أسلوب من أساليب اللف والدوران التي تحاول خداع الآخرين، لتجعل منهم أرقاماً تضاف الى أرقام الأتباع الموجودين الذين يشاركون في تضخيم شخصية الأستاذ، من دون ملاحظة لاستفادتهم منه أو قابليتهم للتعلُّم والانتفاع بعلمه.
    خامسا: إن القضايا التي قام بها هذا العبد الصالح، كانت تتحدى صبر موسى (عليه السلام) بما أثارته من خروج عن الخط الشرعي، كما في قضية قتل الغلام، وخرق السفينة، لما في الأول من اعتداء على الأموال وتعريض الآخرين للخطر من دون حق، ولما في الثاني من اعتداء على الحياة بدون ذنب، وكما في حادثة تثبيت الجدار وما أظهرته من إهمال لمبدأ استغلال الطاقة التي يملكها الإنسان، من أجل حماية نفسه من الجوع، لا سيما مع الأشخاص الذين لا يعيشون القيم في حياتهم العامة ولهذا كانت احتجاجات موسى (عليه السلام) تتلاحق وتشتد في كل حالة من هذه الحالات.

    سادسا: إن على الداعية أن يعيش الانضباط والصبر والصمت في الحياة العملية التي تتحرك في اتجاه ممارسته المسؤولية، إذا كانت الجهة التي يتبعها أو يتعاون معها في مستوى الثقة الفكرية والدينية والعملية التي تبرِّر له أمر الاعتماد عليها، والسير معها، فلا يسارع الى الاعتراض فيما يوجّه إليه من أوامر، وما يشاهده من أعمال تخالف ما هو مألوف لديه، لأن ذلك قد يوجب الارتباك في العمل، والخلل في انضباط الصفوف.
    بل يؤخِّر ذلك الى الظرف المناسب والمكان المناسب، حيث يكون، من الممكن، من وجهة عملية، القيام بما يريده من إثارة السؤال والجواب.

    سابعا: إن على المؤمنين أن يتقبلوا بالصبر والتسليم ما يُلقى إليهم من أحكام الله، مما لا يتفق مع الأفكار التي يألفونها، لأن الله سبحانه أعلم بجهات الصلاح والفساد.

    [1] سورة الكهف، الآية: 82.
    [2] تفسير العياشي، ج 2، ص 230.
    [3] تفسير العياشي، ج 2، ص 239.
    [4] سورة الكهف، الآية: 66.

المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...