بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا﴾[1].
هناك الكثير من الترديد في انطباق هذه الآية الشريفة على معرفة من هو ﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾، فهناك من قال هو: إسكندر الرومي ملك فارس والروم. وقيل: ملك الدنيا مؤمنان: ذو القرنين وسليمان، وكافران: نمرود وبختنصّر، وكان بعد نمرود. وقيل: كان نبيّا. وعن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السّلام) قال: ((قلت له: ما منزلتكم، ومن تشبهون ممّن مضى؟ قال: صاحب موسى وذو القرنين كانا عالمين، ولم يكونا نبيّين))[2].
وقيل: ملكا من الملائكة، وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ((إن ذا القرنين كان عبداً صالحاً جعله الله عز وجل حجةً على عباده، فدعا قومه إلى الله وأمرهم بتقواه، فضربوه على قَرنه فغاب عنهم زماناً حتّى قيل مات أو هلك بأي وادٍ سلك؟ ثمّ ظهر ورجع إلى قومه فضربوه على قرنه الآخر، وفيكم من هو على سنته، وإن الله عز وجل مكّن لذي القرنين في الأرض، وجعل له من كل شيء سبباً، وبلغ المغرب والمشرق، وإن الله تبارك وتعالى سيجري سنته في القائم من ولدي، فيبلغه شرق الأرض وغربها، حتّى لا يبقى منهلاً ولا موضعاً ولا جبلاً وطأه ذو القرنين إلاّ وطأه، ويظهر الله عز وجل له كنوز الأرض ومعادنها، وينصره بالرعب فيملأ الأرض به عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً))[3].
وسأل ابن الكواء عليا (عليه السلام): ((أخبرني عن ذي القرنين أنبيا كان أم ملكا؟...فقال له: لم يكن نبيا ولا ملكا، ولم يكن قرناه من ذهب ولا من فضة، ولكنه كان عبدا أحب الله فأحبه، ونصح لله فنصح الله له، وإنما سمي ذو القرنين لأنه دعا قومه إلى الله عزوجل فضربوه على قرنه فغاب عنهم حينا، ثم عاد إليهم فضربوه بالسيف على قرنه الاخر، وفيكم مثله))[4].
قيل: كان يدعوهم إلى التوحيد فيقتلونه، فيحييه الله. وعن وهب بن منبه: لأنّه ملك الروم وفارس. وقيل: كان لتاجه قرنان. وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين. ويجوز أنه لقّب بذلك لشجاعته، كما يسمّى الشجاع كبشا، كأنّه ينطح أقرانه. وكان من الروم ولد عجوز ليس لها ولد غيره. وعن وهب بن منبه: أنّه رأى في منامه أنّه دنا من الشمس حتّى أخذ بقرنيها في شرقها وغربها، فقصّ رؤياه على قومه، فسمّوه ذا القرنين. وقيل: لأنّه كريم الطرفين، من أهل بيت الشرف من قبل أبيه وأمّه. والسائلون هم اليهود كما مرّ، سألوه امتحانا.
وأيا كان ذو القرنين فإنما يهمنا شخصية قوية روحية منه عن التاريخ لا شخصه، ولا مفخرة في كونه عربيا أم روميا أم ايرانيا، ولذلك أهمل القرآن إلاّ عن شخصيته ولكيلا يجعل مثار التفاخرات! فالتسجيل التاريخي ليس هو المقصود في قصص القرآن وإنما هو العبرة المستفادة من القصة وهي حاصلة منها دون أن تزيدنا معرفة الشخص دلالة اللّهم إلاّ دلالة قومية عنصرية والقرآن يطاردها! ثم التأريخ أيا كان ومن أي كان ليس الاّ ركاما من خليط الحق والباطل، وبعضه باطل كله، ولا نجد الحق كله إلاّ في قصص القرآن، فهي القصص الحق الجارفة تخيلات باطلة عمدية أو ساهية تسربت ودخلت في التاريخ! ولئن استفتينا التاريخ حول ذي القرنين أم أي شخص مجهول، فإنما نصدق منه ما يصدقه القرآن، ونكذب ما يكذبه ونتردد فيما يسكت عنه! دون أن نستفتيه كأصل نفرع عليه القرآن فإنه منكر من القول وزور! ثم هؤلاء الذوات الثلاثة المؤمنون لكل منهم رجاحة متقابلة، فاليمني يترجح بأن اليمن بلد الأذواد قرابة مائة، واليوناني يترجح لشهرته العالمية بذي القرنين وذكره في بعض أحاديثنا ورغم وفرة الذوات في اليمين فلا قرنين فيه! والايراني يترجح لذكره في التوراة ولكن ليس فيه ذو ولا قرنين اللهم الا وصغبا ولكلّ وجه.
[1] سورة الكهف، الآية: 83.
[2] الكافي، ج 1، ص 269.
[3] كمال الدين، ج 2، ص 394.
[4] كمال الدين، ج 2، ص 393.
