بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
اللهم صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد
قال الله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾[1].
مقطع مهم من مقاطع قصة النبي زكريا (عليه السلام) وهو الذي التمس فيه طلب الولد بعبارات لطيفة مفعمة بالرجاء والتمني على الله تعالى بذلك مطبوع بسمة (الإيمان).
إنّ طبيعة العمر الذي بلغه زكريا، ثم وهذا هو موضع الأهمية التي تنطوي عليها فكرة السورة بكاملها، بضمنها: أقصوصة زكريا أنّ امرأته (عاقر) لا يمكن أن تنجب بطبيعة الحال، وهو أمر يقتاد زكريا إلى أن يطلب الى الله تعالى أن يحقق له رغبة خارجة عن الإمكانات التي رسمها تبارك وتعالى لقوانين الكون، وهي الإنجاب من قبل عاقر.
هنا نتوقع أن يتحقق هذا الدعاء ما دامت الأقصوصة قد استهلت ب ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾، حيث ترهص هذه المقدمة القصصية بإجابة الدعاء: ما دامت [الرحمة] من الله تعالى تسع كل شيء، وما دامت المقدمة قد خصصت ذلك من خلال الإشارة إلى زكريا (عليه السلام).
وبالفعل، جاء القسم الجديد من الأقصوصة معنيا بهذا الجانب، راسما بشارة السماء لزكريا (عليه السلام) بإجابة دعائه.
وفي الآية اللاحقة يقول تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ...﴾، ويرث منّي النبوّة.
«يعقوب» هو يعقوب بن ماثان وأخوه عمران بن ماثان أبو مريم أمّ عيسى (عليه السّلام).
وقيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم لأنّ زكريّا كان متزوّجا بأخت مريم ونسبها يرجع إلى يعقوب؛ لأنّ نسبها من ولد سليمان بن داود (عليهما السلام) وهو من ولد يهودا بن يعقوب، وزكريّا من ولد هارون وهو من لاوي بن يعقوب.
واستدلّ أصحابنا بالآية على أنّ الأنبياء يورّثون المال وأنّ المراد بالإرث المذكور في الآية المال دون العلم والنبوّة؛ لأنّ لفظ الميراث في اللغة والشريعة لا يطلق إلّا على ما ينتقل من الورّاث إلى الوارث كالأموال ولا يستعمل في غير المال إلّا على سبيل التوسّع والمجاز، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغير دلالة، وأيضا فإنّ زكريّا (عليه السّلام) قال في دعائه: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾، أي اجعل يا ربّ ذلك الوليّ الّذي يرثني مرضيّا عندك ممتثلا لأمرك؛ ومتى حملنا الإرث على النبوّة لم يكن لذلك معنى وكان هذا الكلام لغوا ألا ترى أنّه لا يحسن أن يقول أحد: اللّهمّ ابعث لنا نبيّا واجعله صالحا عاقلا مرضيّا في أخلاقه وإنّ زكريّا كان يخاف الموالي بسبب عدم استحقاقهم بوراثة المال وإلّا فهو أعلم بالله أنّه سبحانه لا يبعث من ليس بأهل النبوّة.
فإن قيل: إنّ هذا الخوف إضافة الظنّة والبخل إليه.
قلنا: معاذ الله لا يمتنع أن يأسي على بني عمّه وأقاربه إذا كانوا من أهل الفساد أن يظفروا بماله فيصرفوه فيما لا ينبغي بل في ذلك غاية الحكمة.
فإذا كان وثبت أنّ الأنبياء يتوارثون ويتورّثون فمن أين ثبت هذا الخبر المطعون فيه حيث حرموا من حرموا؟ وعلى أن يكون خوف زكريّا من وراثة النبوّة والعلم والمال فالآية صريحة أيضا بوراثة الأنبياء.
وذكر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره: [أمّا جملة ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي﴾، فإنّها مناسبة لكلا المعنيين، الأول: بأنّ ما كان يشغل فكر زكريا - نبي الله الكبير - هي مسألة الأموال، ولم تكن تشغله كمسألة شخصية، بل باعتبارها مصدرا لفساد أو صلاح المجتمع؛ لأنّ بني إسرائيل كانوا يأتون بالهدايا والنذور الكثيرة إلى الأحبار فكانت تودع عند زكريا، وربما كانت هناك أموالا متبقية من قبل زوجته التي كانت من أسرة سليمان، ومن البديهي أن وجود شخص غير صالح يتولى هذه الأموال قد يؤدي إلى مفاسد عظيمة، وهذا هو الذي كان يقلق زكريا، لأنّ الأشخاص الفاسدين إذ تولوا أمر هذه الأموال، فإنّهم سيكونون مصدر قلق حقا، والثاني: وإذا وقعت زمام الأمور وقيادة الناس المعنوية بيد أناس منحرفين، فإنّ ذلك أيضا يثير المخاوف، وعلى هذا فإنّ خوف زكريا يمكن توجيهه في كلا الصورتين][2].
[1] سورة مريم، الآية: 5.
[2] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج 9، ص 406.
