المشورة.. نور العقل وطريق النجاة من زلل القرارات

تقليص
X
  •  
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الصريح
    عضو ذهبي

    • 03-01-2011
    • 1472

    #1

    المشورة.. نور العقل وطريق النجاة من زلل القرارات

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صلِ على محمد واله الطاهرين

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


    مقدمة:

    ليس من الحكمة أن يكتفي الإنسان برأيه، مهما بلغ من العلم والتجربة؛ فالعقول تتفاوت في إدراك الأمور، وما قد يغيب عن أحدنا قد يتضح لغيره. ومن هنا كانت المشورة من علامات الحكمة، ووسيلةً لتقويم الرأي، وتجنّب الخطأ، والوصول إلى القرار الأصوب.

    المشورة الواعية وأثرها في حياة الإنسان

    إنّ الإنسان المستبد برأيه، الذي لا يقبل مشورة الآخرين ولا يصغي إلى نصائحهم، يكون أقرب إلى الخطأ والزلل؛ لأنّه ينظر إلى الأمور من زاوية واحدة، وقد تحجبه عاطفته أو مصلحته أو محدودية تجربته عن إدراك بعض جوانب الحقيقة. أمّا من يفتح عقله لآراء الآخرين، ويتأمّل نصائحهم بإنصاف، فإنّه يمنح نفسه فرصة أوسع للفهم، ويزيد من قدرته على اتخاذ القرارات السليمة.

    ولذلك لم تكن المشورة علامة ضعف أو نقص في الشخصية، بل هي دليل على رجاحة العقل، والتواضع للحق، والاعتراف بأنّ الإنسان مهما بلغ من المعرفة، لا يستطيع الإحاطة بجميع جوانب الأمور.

    وقد أكّد القرآن الكريم أهمية هذا المبدأ في قوله تعالى مخاطباً نبيّه الأكرم صلى الله عليه وآله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159).

    كما جعل الله تعالى التشاور من صفات المؤمنين، فقال سبحانه: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)، فالمؤمنون لا يجعلون أمورهم رهينة الأهواء الفردية، بل يتعاونون على النظر والتفكير، ويستعين بعضهم بعقل بعض، للوصول إلى ما فيه الخير والصلاح.

    غير أنّ المشورة النافعة لا تعني الأخذ بكل رأي يُطرح، ولا أن يكون الإنسان تابعاً لغيره في قراراته، بل ينبغي أن تكون مشورته مع أهل العقل والخبرة والأمانة، ممّن عُرفوا بالصدق، وحسن التقدير، والحرص على مصلحة من يستشيرهم. فليست كل نصيحة صائبة، ولا كل مشير أميناً، ولذلك يحتاج الإنسان إلى التمييز بين الرأي الذي يصدر عن الحكمة والإخلاص، والرأي الذي تحرّكه الأهواء والمصالح الشخصية.

    ومن هنا تبرز أهمية استشارة أصحاب العقول المستنيرة بنور الإيمان والهداية الإلهية؛ لأنّهم يجمعون بين حسن التفكير، وسلامة المقصد، ومراعاة القيم الأخلاقية والشرعية. فالعقل وحده قد يُحسن تقدير بعض المصالح الدنيوية، لكنّه يحتاج أيضاً إلى هداية الوحي وضوابط الحق حتى لا تتحول المهارة في التدبير إلى وسيلة للظلم أو الإضرار بالآخرين.

    إنّ المشورة الواعية بمنزلة الاستفادة من تجارب الآخرين من دون الاضطرار إلى خوض جميع تجاربهم بأنفسنا؛ فقد يختصر علينا رأيٌ صائب سنواتٍ من المحاولات، ويجنّبنا قرارٌ حكيم خسائرَ كان يمكن أن تترتب على التسرّع. وكم من إنسان أضاع فرصة ثمينة بسبب إصراره على رأيه، وكم من آخر تدارك خطأً كبيراً لأنّه توقّف قليلاً، واستمع إلى نصيحة مخلصة، وأعاد النظر في قراره.

    ولا تقتصر الحاجة إلى المشورة على القضايا الكبرى، كاختيار العمل أو إدارة الأموال أو اتخاذ القرارات المصيرية، بل تشمل تفاصيل الحياة اليومية، والعلاقات الأسرية، والتعاملات الاجتماعية، وطريقة معالجة الخلافات. فكلمة صادقة من شخص حكيم قد تمنع خصومة، ورأي متزن قد يطفئ غضباً، ونصيحة أمينة قد تحفظ أسرةً من التفكك، أو إنساناً من الندم.

    ومن الحكمة كذلك ألّا يكتفي الإنسان بطلب المشورة، بل أن يمتلك الشجاعة للاعتراف بصواب الرأي الآخر إذا ظهر له الدليل، وألّا يجعل كرامته مرتبطة بالإصرار على موقفه. فليس العاقل مَن لا يخطئ، وإنما العاقل مَن يسعى إلى تقليل أخطائه، ويستفيد من تنبيهات الآخرين، ويرجع إلى الحق متى تبيّن له.

    والخلاصة :

    إنّ المشورة الواعية ليست مجرّد تبادل للآراء، بل هي مشاركة في الخبرة، وتكامل في العقول، وطريق عملي لتقليل الأخطاء وحسن تدبير شؤون الحياة. فمَن استشار أهل الحكمة والأمانة، وأصغى إلى الحق بقلب منفتح، جمع إلى عقله عقولاً أخرى، وإلى تجربته تجارب متعددة. أمّا مَن استبدّ برأيه، فقد حرم نفسه من أبواب واسعة للمعرفة، وربّما دفع ثمن خطئه بعدما كان يستطيع تجنّبه بكلمة نصح صادقة.

    فلنجعل المشورة خُلُقاً في حياتنا، والتواضع للحق منهجاً في قراراتنا؛ فالعقل يزداد نضجاً حين ينفتح على عقول الآخرين، والحكمة لا تعني أن نعرف كل شيء، بل أن نعرف متى نحتاج إلى مَن يرشدنا إلى ما غاب عنّا.
    ماذا وجد من فقدك، وما الذى فقد من وجدك،لقد خاب من رضي دونك بدلا
المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
حفظ-تلقائي
Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
يعمل...