مذكرات إعلامي متقاعد (34) .. حوارات أهل الحوار
صفحة الكاتب: علي حسين الخباز
كتب : علي حسين الخباز
في : 2026/11/01
عدة محاورات ولقاءات مع اختصاصات أكاديمية وثقافية متنوعة، في العدد (42) من أعداد «صدى الروضتين»، الصادر في 13/6/2006م.
الحوار الأول
الدكتورة ناهضة عبد الستار ـ جامعة القادسية
س: قصص الأئمة عليهم السلام، هل هي نوع من أدب السير الغيرية، أم ثمة تسمية أخرى؟
ج: إذا ما ذهبنا إلى النصوص الموروثة عن الأئمة الأطهار عليهم السلام، أي الكتب التاريخية التي نقلت لنا هذه القصص والحكايات، لنعتبرها نموذجًا فنيًّا أدبيًّا، أو هي التي أخذت الطابع الثقافي العام، لم يُفعَّل جانبها الفني، فأنا حين أرجع إلى النصوص أجد قصصًا وليست حكايات؛ فالحكاية تعني أخذ الإطار الحدثي، وهذا هو الذي أثّر في الناس. قد يبكون على كربلاء من خلال سرد الأحداث بطريقة لها خصوصيتها، أو نأتي على القصة وليس الحكاية، طريقة سرد الحكاية.
ولذلك نفرّق بين مصطلح السرد ومصطلح القص. هذه القصص تشير إلى مسألة النص ومسألة الأداء، فهناك جانب مغيّب في الثقافة الأدبية، ويمتد هذا التأسيس من سنة 656هـ، منذ سقوط بغداد، والمنظور الذي أعقب سقوط بغداد هو منظور سياسي وسياسي عسكري، وما بعد هذه المرحلة يُسمّى بأدب العصور المظلمة.
وفي العصر الحديث، هذه المرحلة مرحلة تحتاج إلى نظرة متأملة. أنا في الحقيقة دخلت في نقاشات كبيرة حولها ودرستها، فهل تدرون ماذا وجدت نتيجة؟ وأرجو ألّا يعتبرني الآخر طائفية؛ فالفترة التي يعتبرونها مظلمة لأنها استطاعت إخراج ما كان على الهامش وجعله على السطح الذي هيمن على الأدب العباسي، والذي يعدّه البعض العصر الذهبي للأدب العربي، ما كان إلا أدب سلطة.
فمن الذي أعلى المتنبي غير المعتصم؟ ولذلك استحكم في الذهنية العامة أن الشاعر لا يرتقي مستواه إلا إذا ارتبط بثنائية المثقف والسلطة، وكأن الأدب لا بد أن يمدح رئيسًا ليكون أدبًا، والأدب العام الذي يعبر عن هموم التاريخ والناس وهموم الجذور والطين والتراب والوجع، هذا كله يُعدّ درجة ثانية؛ فهنالك طبقية واضحة ما بين العام والخاص.
س: فلسفة المكان المقدس؟
ج: يكون ما موجود فيه يعبّر عن هذه القيمة، لكن للأسف، فما تراه أن هذه الشواخص التاريخية التي أعطت ثقلًا للمكان وأهمية وتميزًا، لا تحيطها إلا العمارات الشاهقة الحديثة والمستحدثة التي هي من طراز غربي، ولا يوجد في محيطها استثمار فني حسب رؤية فنية جمالية.
وهذا ينسحب إلى فن العمارة، يعني أننا لا نتبع فن عمارة شرقيًّا وطنيًّا بيئيًّا خاصًّا، وهذا هو الذي يعبّر عن هويتنا، هو الذي يعبّر عن إنتاج عماري اعتمد على محاكاة الواقع المقدس لهذه المدينة.
ولو وضعت الآن الصدق والواقعية نصب عينيك، ونظرت إلى الظواهر، ستجد عندها الأمور كلها تنقلب لديك، وأن الكثير من النظم المهيمنة ارتفعت إلى أعلى، واختفت تحتها الكثير من الهوامش، والتي هي حقيقية، بل هي الصورة الواقعية لمدينة مقدسة مثل كربلاء.
س: كيف تنظر المرأة الأكاديمية إلى واقع استلام المرجعية لإدارة شؤون العتبات المقدسة؟
ج: أنا أرى، مثلما الجامعة تستلمها كفاءات علمية صاحبة الشهادات، فالمكان الديني المقدس لا بد أن تستلمه الملاكات الدينية العليا، أي القيادات الدينية العليا.
ولا سيما أن هناك مسألة أخرى مهمة لا بد أن نركز عليها؛ فقد نُقلت لنا بعض الآراء الراقية في قضية الفن والأدب والجمال لبعض الرموز المرجعية: آراء السيد الشهيد محمد باقر الصدر، وآراء سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني، دام عزه، وآراء علماء آخرين.
يبدو لي أن هذه السمات الراقية لم تُنقل من المحيط الناقل؛ لكون هذا المحيط لا ينقل إلا ما يفهمه. وهذه المسألة في النقد الأدبي الأكاديمي تتعلق بمسألة النص والتلقي.
قبل أيام كنت أقلّب في كتاب «ما وراء الفقه»، ومثل هذه المصادر كانت مغيّبة عنا. والله استغربت حقيقة؛ لأني ما كنت أتوقع أن أقرأ مثل هذه البحوث الواسعة النظرة، بسبب النظرة المهيمنة بأن رجل الدين لا يجيد سوى تحريم الفن والجمال، وإذا بالمرجعية تطرح نظرية خاصة بالإبداع الفني.
الآن الباحثون المحدثون يتبعون نظرية خاصة، فهم يتعبون في قضية الأسلمة؛ أسلمة الفنون عملية تداخل وامتزاج قسري. لكن لو أخذنا القضية الأساس، أي نظرية الإسلام، لرأينا أن القضية لا تحتاج إلى أسلمة، ولا احتياج لدينا لما نقسر عليه الفكر الإسلامي. لا، أبدًا، نحن نحتاج فقط إلى أن ننقّي الذهن ونقرأ تراثنا بما هو عليه، لا أن نقرأه من لدن الآخر، من مستشرق أو مستغرب، وهذه مشكلة ثقافية كبيرة.
الحوار الثاني
الشاعر جابر الجابري
س: الرؤى المتبلورة من حملات الإعمار؟
ج: نحن نأمل أن تكون العتبتان من أبرز المعالم الحضارية في هذا البلد، بما تمثلانه من روحية وقدسية وجهادية كبرى وتحررية لكل العالم؛ لذلك لا بد أن ترمز العتبتان الطيبتان الطاهرتان إلى هذا المعنى النبيل الذي حققه دم الحسين عليه السلام، وموقف أهل بيته وأصحابه عليهم السلام أجمعين، في أن يجعل الإنسان حرًّا، عندما قال: «إن لم يكن لكم دين فكونوا أحرارًا في دنياكم».
هذه الرسالة يجب أن تتمثل بكل معالمها، ليس في البناء المدني أو مظهر العتبتين بقدر ما تمثلانه من قيمة روحية كبرى تتلاءم مع طرازهما وبنائهما وعمرانهما وإظهارهما كمعلم حضاري كبير في العالم الإسلامي والعربي والعالمي والدنيا كلها.
ممثلو الإدارتين هم يقينًا أبناء الحسين عليه السلام، الأمناء على نهج الحسين، وبالتأكيد أن جهودهم المبذولة تمثل انتماءهم إلى هذا المعنى الأبوي.
الحوار الثالث
الشاعر نوفل أبو رغيف
س: الإعلام الديني؟
ج: سؤال كبير لا يمكن إيجازه إلا بصعوبة بالغة؛ فالإعلام الديني، للأسف، لا يرتقي إلى مستوى الخطاب الديني الموجود والمطروح، ولا بد أن نعترف أمام أنفسنا، على الأقل، بأن الإعلام الديني ما زال بحاجة إلى الكثير من الخبرة والدراسة.
ومراجعة قراءة الخطاب الإعلامي الديني، سنجد هنالك نقصًا واضحًا في الإمكانية المهنية الاحترافية في تصدير الخطاب الإعلامي الديني. ربما الاحتكاك بالخطاب الإعلامي غير الديني، وإن كنت لا أتفق مع هذه التوصيفات؛ لأن الخط الإعلامي بصورة عامة ينتمي إلى الحرفية، لكني أعتقد أن التراويح بين الخطابات الإعلامية المختلفة من شأنه أن ينضج خطابًا إعلاميًّا دينيًّا في المرحلة القادمة.
س: الاستلام المرجعي للمراقد المقدسة؟
ج: في هذه المرحلة الخطيرة، والتي أعني بها مرحلة ضعف الدولة ومرحلة عدم تشكيل هوية نهائية للدولة العراقية، فمن الأنسب ألّا تكون تلك المراقد المقدسة بيد ناس غير المرجعية؛ فالمرجعية الأكثر قربًا لها والأكثر مقبولية في أوساط الشعب. ولكن في المستقبل سيتبلور استقرار الأوضاع عن وضع وقفي ينسحب إلى منطقة أشمل.
الحوار الرابع
الدكتور رحمن غرگان ـ قسم اللغة العربية، جامعة القادسية
س: توظيف تراث الأئمة عليهم السلام توظيفًا فنيًّا؟
ج: توظيف الواقعة، مثلًا، توظيفًا فنيًّا يمكن أن يجعل منها أداءً أسطوريًّا، لا بمعنى غياب الواقع عن الأسطورية، بل بمعنى أن أسطرة الحقيقة تؤدي معنى فنيًّا يصل إلى المتلقي غير المنتمي وغير المسلم بهذا المعنى. فهذه الرموز العظيمة جعلها الله سبحانه وتعالى ملكًا للإنسانية، وبالتالي استثمارها في أشكال التعبير الفني الجمالي يجعل من الفن وظيفة أداء، في أن يكون الفني حاملًا لمعنى إنساني أوسع.
س: هل ترى أن نقدم هذا التراث من النهج الأكاديمي الصرف، أم لا بد أن نأخذه على عاتقه العفوي، على شعبيته بين الناس؟
ج: بالتأكيد ثمة خدمة تُقدَّم من خلال الطرح المباشر والموضوع الشعبي؛ فإنها توضح المعنى وتشير إلى الحقيقة وتصرّح بها إلى جهة من الجمهور وإلى نمط من الناس المتلقين.
وفي الجانب الآخر، الذي هو النهج الأكاديمي أيضًا، هنالك نقول المعنى ونصرّح به إلى جانب آخر من الجمهور، واجتماع هذه الأساليب يعني أننا نحاول أن نصل إلى الجميع.
س: استلام المرجعية لمهام إدارة العتبات؟
ج: في هذا الاتجاه تكون المسؤولية مناطة بمن هو أدرى بالمعنى والحقيقة، وبمن سيخدم هذه الحقيقة خدمتها الحقيقية. فإذا تحدثنا عن المكان بمعناه الروحي، فسيكون وسعه السماوات والأرض، وإذا كان بمعناه المباشر، فحبذا لو يُصار إلى التوسعة المكانية بالشكل الذي تتفتح فيه هذه الرياض وهذه الجنان، وتتوسع لعدد أكبر من الجمهور.
فهذه التوسعة ضرورية وملحّة، والآن علم الهندسة وصل إلى مسافات استثمار في هذا الاتجاه، سيكون استثمارًا لصالح العقيدة، لصالح الروحي.
الحوار الخامس
الشاعر ستار الدليمي من النجف
الشاعر الذي عاش الوحدة المذهبية بكل تفاصيلها هو الشاعر النجفي ستار الدليمي:
لا تهديني سيف اذبح اخوي تريد
وتضل تضحك علي وتعذب بضيمي
واحد والجبل لا يذ بخت الهور
عراق انا وصعب هيهات تقسيمي
المذاهب وحده ابد كل فرق ما موجود
سيد موسوي لو سيد النعيمي
فتلاوي علي بس ساكن الانبار
وصار ابن النجف ستار الدليمي
عرض أقل
