شاهدة على الفجيعة

كتب : وفاء الطويل
في : 2026/11/02 ذات خمسة أعوام كنتُ حين أفقتُ على نهار مظلم أطفأ فيه الظلم شمس الملكوت.
وقفتُ في زاوية الدار الباكية، فرأيتُ الباب المحترق ينتحب حسرة...
لقد نصبه أبي سترًا، فصار شاهد العصر على العصرة!
والستارة التي وضعها لتكون زيادة في الحجاب والستر غرقت بالياقوت في دهشة...
دماء أمي مهراقة، وجنينها موءود...
وأنفاسها تبكي طهر حشمتها التي استُبيحت غدرًا...
المسمار الصدئ يقطر ندمًا، ودَّ لو انصهر في النار قبل أن يهشّم كوثر المختار.
عن يميني، رأيتُ فضة تقف كالشمعة المذوّبة ألمًا، تحتضن المكسورة أضلعها...
والذهول لا حدّ له...
انقضت اللحظة العاصفة، وانجاب غبار الفاجعة.
سكنت الأرجاء على شجن يتفطّر له الصخر...
الدار تتنفس الوجع، وكل من فيها يلملم بقايا الروح الذهولة،
والرحى واجمة بعدما جفّت الكف التي كانت تطعمها الشعير لتشبع المساكين.
لكن صوت أمي لم ينطفئ، تجلببت الصبر بموقف ينبض بالحق...
خرجت تحمل على كتفيها جراح الكون، تطوف على الضمائر المستترة.
فهي الحجة السماوية حين تخاطب الغارقين في العدم...
صدعت محراب المسجد بخطبتها الأزلية في وجه الفناء، فرسمت بصفحة القيم الحد الفارق بين الوفاء والخذلان، بين النفاق والإيمان...
حتى إذا استكملت رسالتها إلى الوجود، انكفأ ذلك الجسد النوراني نحو مكامن السكون، يغفو كنجم سماوي في لجّة الظلام، تعاني آلام الضلع ومرارة الغدر، ونحن نرجو استعادة السلام في عافيتها، حتى اختطفها المنون، وحلّقت إلى بارئها، فاكتسى الوجود ثوب الحداد السرمدي.
أُطفئ سراج المجرة المنبثق من دارنا... وشُيّع النور من بيننا.
حملوا النعش خفيفًا في عتمة الليل.
وبقيتُ وحدي أوزع دموعي على أركان بيت هجرته الزهراء...
اشتعل الأنين في الأرجاء.
نظرتُ حولي في الحجرة المفجوعة، أبصرتُ في ناحيتها الفراش الذي رقدت عليه،
يتوسل طيفها المار أن يعود،
بينما تتبادل أم سلمة وأم هانئ العبرات وهما تلامسان ثيابها الممزقة المحروقة، وكل من في الدار تخنقه الفجيعة...
عاد أبي... الحصن الذي لا تهزّه النوائب، يتكئ على المنايا حرقة، يكتم زفراته القاتلة لئلا تحترق المدينة بما فيها، وحوله الحسنان المفجوعان على أم كانت لنا الملاذ.
وأنا الوديعة الصغيرة التي أثقل الصبر كاهلي... أوزع دموعي السخية على أوجاع مسيرة اليتم الطويلة، وأستعد لرحلة لا تنتهي إلا عند اللقاء بعد رزية الشام...

كتب : وفاء الطويل
في : 2026/11/02 ذات خمسة أعوام كنتُ حين أفقتُ على نهار مظلم أطفأ فيه الظلم شمس الملكوت.
وقفتُ في زاوية الدار الباكية، فرأيتُ الباب المحترق ينتحب حسرة...
لقد نصبه أبي سترًا، فصار شاهد العصر على العصرة!
والستارة التي وضعها لتكون زيادة في الحجاب والستر غرقت بالياقوت في دهشة...
دماء أمي مهراقة، وجنينها موءود...
وأنفاسها تبكي طهر حشمتها التي استُبيحت غدرًا...
المسمار الصدئ يقطر ندمًا، ودَّ لو انصهر في النار قبل أن يهشّم كوثر المختار.
عن يميني، رأيتُ فضة تقف كالشمعة المذوّبة ألمًا، تحتضن المكسورة أضلعها...
والذهول لا حدّ له...
انقضت اللحظة العاصفة، وانجاب غبار الفاجعة.
سكنت الأرجاء على شجن يتفطّر له الصخر...
الدار تتنفس الوجع، وكل من فيها يلملم بقايا الروح الذهولة،
والرحى واجمة بعدما جفّت الكف التي كانت تطعمها الشعير لتشبع المساكين.
لكن صوت أمي لم ينطفئ، تجلببت الصبر بموقف ينبض بالحق...
خرجت تحمل على كتفيها جراح الكون، تطوف على الضمائر المستترة.
فهي الحجة السماوية حين تخاطب الغارقين في العدم...
صدعت محراب المسجد بخطبتها الأزلية في وجه الفناء، فرسمت بصفحة القيم الحد الفارق بين الوفاء والخذلان، بين النفاق والإيمان...
حتى إذا استكملت رسالتها إلى الوجود، انكفأ ذلك الجسد النوراني نحو مكامن السكون، يغفو كنجم سماوي في لجّة الظلام، تعاني آلام الضلع ومرارة الغدر، ونحن نرجو استعادة السلام في عافيتها، حتى اختطفها المنون، وحلّقت إلى بارئها، فاكتسى الوجود ثوب الحداد السرمدي.
أُطفئ سراج المجرة المنبثق من دارنا... وشُيّع النور من بيننا.
حملوا النعش خفيفًا في عتمة الليل.
وبقيتُ وحدي أوزع دموعي على أركان بيت هجرته الزهراء...
اشتعل الأنين في الأرجاء.
نظرتُ حولي في الحجرة المفجوعة، أبصرتُ في ناحيتها الفراش الذي رقدت عليه،
يتوسل طيفها المار أن يعود،
بينما تتبادل أم سلمة وأم هانئ العبرات وهما تلامسان ثيابها الممزقة المحروقة، وكل من في الدار تخنقه الفجيعة...
عاد أبي... الحصن الذي لا تهزّه النوائب، يتكئ على المنايا حرقة، يكتم زفراته القاتلة لئلا تحترق المدينة بما فيها، وحوله الحسنان المفجوعان على أم كانت لنا الملاذ.
وأنا الوديعة الصغيرة التي أثقل الصبر كاهلي... أوزع دموعي السخية على أوجاع مسيرة اليتم الطويلة، وأستعد لرحلة لا تنتهي إلا عند اللقاء بعد رزية الشام...
