بسم الله الرحمن الرحيم



اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وسهل مخرجهم



وصل اللهم على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها عدد ماأحاط به علمك
وعجل فرج يوسفها الغائب ونجمها الثاقب واجعلنا من خلص شيعته ومنتظريه وأحبابه يا الله
السلام على بقية الله في البلاد وحجته على سائر العباد ورحمة الله وبركاته



أنواع اليأس
من الذنوب الكبيرة اليأس من روح الله تعالى، وهو ُيتصور على نحوين:

الأوّل: اليأس الأُخروي:
بمعنى أن ييأس الإنسان من رحمة الله وغفرانه، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾(الزمر:53).

إذا طالعنا الحالة النفسية عند الكثير من المجرمين والعاصين بعد ارتكابهم للذنب الكبير، نرى أن حالة من الألم والندم تصيبهم بحيث لا يتصورون بقاء طريق العودة مفتوحاً أمامهم، ويعتبرون أنفسهم ملوثين بشكل لا يمكن تطهيره، ويتساءلون: هل من الممكن أن تُغْفَرَ ذنوبنا؟ وهل أن الطريق إلى الله مفتوح أمامنا؟
هذه الآية تعطي الأمل في أنَّ طريق العودة والتوبة مفتوح أمامهم.
علاج اليأس الأخروي
هناك عدَّة أمور يمكن أن تكون علاجاً لحالة اليأس الأخروي:

1- باب التوبة مفتوح:
من المشاكل التي تقف عائقاً في طريق بعض المسائل التربوية هو احساس الإنسان بعقدة الذنب من جرَّاء الأعمال القبيحة السابقة التي ارتكبها، خاصة إذا كانت هذه الذنوب كبيرة، إذ أنَّ الذي يستحوذ على ذهن الإنسان إن أراد التوجه نحو الطَّهارة والتقوى والعودة إلى الله، كيف يتخلص من أعباء الذنوب الكبيرة السّابقة؟

التعاليم الإسلامية حلّت هذه المشكلة، عندما أفصحت عن أن التوبة والإنابة يمكن أن تكون أداةً قاطعةً وحاسمةً للإنفصال عن الماضي وبدء حياة جديدة، أو حتى يمكن أن تكون بمثابة ولادة جديدة للتائب، إذا تحققت بشرطها وشروطها.
ففي حديث عن الباقر عليه السلام: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمقيم على الذنب وهو مستغفر منه كالمستهزئ"1. ومن البديهي أنَّ هذه العودة لا يمكن أن تتم بدون قيد أو شرط، وأن البارئ تعالى حكيم ولا يفعل شيئاً عبثاً، فإذا كانت أبواب رحمته مفتوحةً أمام عباده، ودعوته إياهم للتوبة مستمرة، فإن وجود الاستعداد عند العباد أمرٌ لا بدَّ منه.
ومن جهة أخرى، يجب أن تكون عودة الإنسان صادقة، وأن تحدث انقلاباً وتغيراً في داخل ذاته.
من ناحية ثانية، يجب أن يبدأ الإنسان بعد توبته بإعمار وبناء أسس الإيمان والعقيدة التي كانت قد دُمرت بعواصف الذنوب.
ومن ناحية ثالثة، يجب أن يصلح الإنسان بالأعمال الصالحة عجزه الروحيَّ وسوء خلقه، فكلما كانت الذنوب السابقة كبيرة، عليه أن يقوم بأعمال صالحة أكثر وأكبر.
وهذا ما بينه القرآن الكريم في هذه الآيات: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾(الزمر:54-55).
2- مكافحة روح اليأس من أهم آثار الشفاعة في نفس المعتقدين بها:
الإيمان بالشفاعة يفتح أمام الإنسان نافذة نحو النور، ويبعث فيه الأمل بالعفو والصفح، وهذا الأمل يجعله يسيطر على نفسه، ويعيد النظر في مسيرة حياته، بل ويشجعه على تلافي سيئات الماضي.
تحذير: بين الخوف والرجاء
صحيح أنَّ اليأس من رحمة الله من الكبائر، إلَّا أنَّ الأمن من مكر الله وعذابه أيضاً من الكبائر، وهذا ما يدعونا إلى تحذير الإنسان من كلا الأمرين، اليأس والأمن.

من هنا نرى القرآن الكريم يعتبر أن من صفات المؤمنين الخوف والرجاء من الله تعالى فلا يأمنون غضب الله تعالى، ولا ييأسون من رحمته، والتوازن بين الخوف والرجاء هو ضمان تكاملهم وسلوكهم في الطريق إلى الله تعالى، والحاكم على وجودهم دائم لأن غلبة الخوف تجر الإنسان إلى اليأس والقنوط، وغلبة الرجاء تغري الإنسان في الذنوب وتجعله في غفلة، وكلاهما عدوٌّ للإنسان في سيره التكاملي إلى الله تعالى.
يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾(السجدة:15-16).
ومن هنا نرى القرآن الكريم يصف الله بالغفَّارية والقهَّارية: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾(ص:65-66).
فالله سبحانه وتعالى كما أنه قهَّار شديد العقاب كذلك هو عزيز غفَّار رحيم، فكلمة قهَّار في الآية كي لا يغترَّ أحد بلطف الله ورحمته وغفَّاريته، ويظنَّ أنَّه يعيش في مأمن من قهر الله وغضبه، ولكي لا يغرق في مستنقع الذنوب.
كلمة غفَّار تعني كثير الغفران، بحيث أنَّ أبواب رحمته مفتوحة أمام المذنبين، إذاً على الإنسان أن لا ييأس ولا يأمن، وإلا كان متصفاً بصفات الخاسرين ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾(يوسف:78).
﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾(الأعراف:97).وينبغي الحذر أيضاً من الفهم الخاطئ للتوبة والشفاعة وإلا لم تنفعا.
الثاني: اليأس الدنيوي:
مرّ معنا الحديث عن اليأس الأخروي، والآن نتحدث عن اليأس الدنيوي، ونعني به أن ييأس الإنسان من الفرج الإلهي.

علاج اليأس الدنيوي
1- التفاؤل:
فالتفاؤل يبعث على الأمل بينما التطيُّر يؤدِّي إلى اليأس والعجز، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"الطَّيَرَة شرك"، "تفاءلوا بالخير تجدوه".

2- الدعاء:
نقرأ في الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "الدُّعاء سلاح المؤمن..."2.
وعن الإمام علي عليه السلام: "الدُّعاء مفاتيح النَّجاح ومقاليد الفلاح..."3.
وهناك روايات كثيرة تشير إلى أهمِّية الدُّعاء، ومن فوائده: أنَّ الإنسان تقع في حياته حوادث، فتغرقه في اليأس من حيث الأسباب الظاهرية، فالدُّعاء يمكنه أن يكون شرفة على أمل الفوز، ووسيلة مؤثِّرة في مواجهة اليأس.
3- الأمل بالنصر (المدد الإلهي)
إذا راجعنا القرآن الكريم، نجده يبعث الأمل بالنَّصر في نفوس المسلمين، وإليك بعض الموارد.

أ- قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ * كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾(الحجر:11-13).
تفيدنا الآية بأنَّ أساليب أهل الضَّلال الرَّامية لتخدير، الناس ومحاولة تفريقهم وإبعادهم عن أولياء الله، لا تختصُّ بزمان ومكان معينين، بل هي ممارسة موجودة منذ القدم، وباقية ما بقي الصراع بين الحق والباطل على الأرض، ولهذا لا ينبغي أن نستوحش من ذلك ونتراجع أمام المشاكل والعراقيل التي يدبِّرها الأعداء.
ولا نسمح لليأس من أن يدخل إلى قلوبنا، ولا لأساليب الأعداء من أن تُفقدنا الثِّقة بالله تعالى.
فذكر سنن الأولين في القرآن، ما هي إلا مواساة وتسلية مؤثِّرة لقلوب دعاة الإيمان.
وإذا ما تصوَّرنا يوماً أنَّ نشر دعوة الحق، ورفع راية العدل والهداية، لا يواجهان بردِّ فعل الأعداء، فإننا في خطأ كبير، وأقلُّ ما فيه أننا سنصاب بحالة اليأس المهلكة، وما علينا إلَّا أن نستوعب مسير الأنبياء عليهم السلام في مواجهتهم لأعداء الله.
ب- قال تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾(آل عمران:139-140)، في الآية تحذير للمسلمين من أن يعتريهم اليأس والفتور بسبب النكسة في معركة واحدة، وأن يتملَّكهم الحزن واليأس من النصر النهائي.
فالرجال الواعون هم الذِّين يستفيدون الدروس من الهزائم، كما يستفيدونها من الانتصارات، وهم الذين يتعرفون في ضوء النَّكسات على نقاط الضعْف في أنفسهم أو مخطَّطاتهم، ويقفون على مصدر الهزيمة، ويسعون لتحقيق النصر النهائي بالقضاء على تلك الثغرات والنواقص.
4- الانتظار ودوره في معالجة اليأس
هناك أثر مهمٌّ لانتظار ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، وهو عدم ذوبان المنتظرين في المحيط الفاسد، وعدم الانقياد وراء المغريات والتلوث بها.

وتوضيح ذلك: أنه حين يعمُّ الفساد المجتمع، أو تكون الأغلبيَّة الساحقة منه فاسدة، فقد يقع الإنسان المؤمن في مأزق نفسيِّ، أو بعبارة أخرى: في طريق مسدود "لليأس من الاصلاحات التي يتوخاها" وربما يتصَّور المنتظرون أنَّه لا مجال للاصلإح، وأنَّ السعي والجدَّ من أجل البقاء على النقاء والطهارة، كلُّ ذلك لا جدوى منه، فهذا اليأس أو الفشل قد يجرُّ الإنسان نحو الفساد والاصطباغ بصبغة المجتمع الفاسد، والَّذي ينعش الأمل في نفوس المؤمنين ويدعوهم إلى المقاومة والصبر وعدم الذوبان والإنحلال في المحيط الفاسد، هو رجاؤهم بالاصلاح النهائي، فهم في هذه الحال لا يسأمون عن الجد والمثابرة.
5- التقوى والفرج
﴿... وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ..﴾(الطلاق:2-3) إنَّ هذه الآيات تبعث الأمل في النُّفوس، وتمنح القلب صفاءً خاصاً، وتمزِّق حجب اليأس والقنوط، وتنير الأرواح بنور الأمل، إذ تعد المتقين بحل مشاكلهم وتسهيل أمورهم.

جاء في حديث عن أبي ذر الغفاري، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إنيِّ أعلم آيةً لو أخذ بها النَّاس لكفتهم، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾، فما زال يقولها ويعيدها"4.
وفي حديث عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ أْكثر الإستغفار جعل الله له من كلِّ همٍّ فرجاً ومن كلِّ ضيق مخرجاً"5. المقصود من التوكُّل على الله، هو أن يسعى الإنسان لأن يجعل عاقبة عمله وكدحه على الله، ويوكلها إليه ويدعوه لتسهيل أمره، فإنَّه لطيف بعباده، رحيم بهم، وعلى كل شي‏ء قدير.
والشخص الذي يعيش حقيقة التوكُّل على الله، لا يجد إليه منفذاً، ولا يدبُّ في عزمه الضعف، ولا يشعر بالنقص والصغر أمام المشاكل مهما كبرت، ويبقى يقاوم ويواجه الأحداث بقوَّة وإيمان راسخين.
ومن جانب آخر تنهمر عليه الإمدادات الغيبيَّة والمساعدات التي وعده الله.
  • ففي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" سألت جبرائيل: ما التوكل؟ قال:العلم بأنَّ المخلوق لا يضرُّ ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، واستعمال اليأس من الخلق، فإذا كان العبد كذلك، لم يعمل لأحد سوى الله، ولم يرجُ ولم يخف سوى الله، ولم يطمع في أحد سوى الله فهذا هو التوكُّل"6.

6- العلم بأن مع العسر يسراً
يقول تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾(الانشراح:5-6).

هذا الوعد الإلهيُّ يغمر القلب نوراً وصفاء، ويبعث فيه الأمل، ويزيل ظلمة اليأس عن روح الإنسان، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "واعلم أنَّ مع العسر يسراً، وأنَّ مع الصبر النَّصر، وأنَّ الفرج مع الكرب"7.



________________________
1- أصول الكافي، ج‏2، ص‏216، باب التوبة، الحديث 10.
2- أصول الكافي، ج‏2، أبواب الدعاء، باب إن الدعاء سلاح المؤمن.
3- م.ن.
4- نور الثقلين، ج‏5، ص‏356، حديث 44.
5- ن.م، حديث 45.
6- بحار الأنوار، ج‏69، ص‏372، حديث 19.
7- تفسير نور الثقلين، ج‏5، ص‏604، حديث 11