في رحاب تفسير آيات القرآن المجيد (113)

قال تعالى(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) سورة البقرة من الاية 218 الى 219.
نتعرض في هذه الاية الى مطالب عدة
اولا : التدرج في الاحكام الشرعية
نستوحي من هذه الاية المباركة طريقة الاسلام الخاتم من خلال التدرج في نزول الاحكام الشرعية وهي طريقة عقلائية والشارع المقدس سيد العقلاء ، لان النفس بطبيعتها ترفض العمل بشكل دفعي بكل الاحكام بعدما كانت قد تعودت واعتادت على العمل بخلاف ذلك، وقد ورد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ما بعث الله نبيا قط إلا وفي علم الله أنه إذا أكمل دينه كان فيه تحريم الخمر، ولم يزل الخمر حراما وإنما ينقلون من خصلة ثم خصلة، ولو حمل ذلك جملة عليهم لقطع بهم دون الدين، قال: وقال أبو جعفر (عليه السلام): ليس أحد أرفق من الله تعالى فمن رفقه تبارك وتعالى أنه ينقلهم من خصلة إلى خصلة ولو حمل عليهم جملة لهلكوا. ؟
ثانيا : ملاكات الاحكام تقديم المصلحة الاكبر على المفسدة
يمكن لنا ان نستفيد من خلال هذه الاية المباركة قاعدة عقلية وهو ان كل ما كانت مصلحته اكبر واعظم من مفسدته فيجب تقديمه ،ومن هنا نقول وان كان الخمر قد ينتفع بها البعض من خلال البيع وحركة السوق والتجارة وكذلك ما ربما يشعر شاربها بالراحة من تعب الحياة ومصائبها حتى يغيب بعض الوقت عن المشاكل ،ولكن اضرار شرب الخمر كثيرة وكبيرة على حياة الانسان في حاضره ومستقبله في دنياه واخرته وكذلك على حياة المجتمع، ولذلك جاءت روايات اهل البيت عليهم السلام فاشارت الى حرمة الخمر وان الخمر شر مطلق ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال : الشراب مفتاح كل شرّ ، ومدمن الخمر كعابد وثن ، وأن الخمر رأس كل إثم ، وشاربها مكذب بكتاب الله ، لو صدق كتاب الله حرم حرامه.) عن أبي عبدالله عليه السلام : أن زنديقا قال له : لم حرم لله الخمر ، ولا لذة أفضل منها؟ قال : حرمها لانها ام الخبائث ، ورأس كل شرّ ، يأتي على شاربها ساعة يسلب لبّه ، فلا يعرف ربّه ، ولا يترك معصية إلا ركبها ، ولا يترك حرمة إلا انتهكها ، ولا رحما ماسة إلاّ قطعها ، ولا فاحشة إلا أتاها ، والسكران زمامه بيد الشيطان ، إن أمره أن يسجد للاوثان سجد ، وينقاد حيثما قاده.) عن محمد بن الحسين رفعه ، قال : قيل لامير المؤمنين عليه السلام : إنك تزعم أن شرب الخمر أشد من الزنا والسرقة ، قال : نعم ، إن صاحب الزنا لعله لا يعدوه إلى غيره وإن شارب الخمر إذا شرب الخمر زنا ، وسرق ، وقتل النفس التي حرم الله ، وترك الصلاة.)
ثالثا : ما هو الميسر
مَيسِر ( اسم )المَيْسِرُ : قِمَار ، مُقامرة ، كلّ لعب فيه مراهنة، وفي «مجمع البحرين»: وفي الحديث كانت قريش تقامر الرجل بأهله وماله: القمار (بالكسر) المقامرة، وتقامروا: لعبوا بالقمار ... وأصل القمار: الرهن على اللعب، وعن ابن عباس : الميسر هو القمار ، كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى مجيء الإسلام فنهاهم الله عن هذه الأخلاق القبيحة ، وورد عن أبي جعفر عليه‌السلام قال لما أنزل الله عز وجل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله « إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ......... » قيل يا رسول الله ما الميسر فقال كل ما تقومر به حتى الكعاب والجوز ) وفي الخبر ،عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزوجل: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ) قال: نهي عن القمار، وكانت قريش يقامر الرجل بأهله وماله، فنهاهم اللّه عن ذلك».
رابعا : فلسفة وحكمة حرمة القمار
الاسلام وكل الديانات جاء من اجل تكامل الانسان على مستوى الدنيا وعلى مستوى الاخرة وتمنع الانسان عن كل عقبة وعائق يحول بين الانسان وبين الكمال اللائق به ،ولذلك فالاسلام لما يحرم الميسر والقمار لان الميسر والقمار فيها اضرار للانسان الفرد والانسان المجتمع فاما على مستوى الفرد ،فالميسر سوف يدفع بالانسان الى ارتكاب الفاحشة والجريمة والسرقة لان الانسان اذا اعتاد على القمار سوف يخسر امواله وربما يدفعه ذلك الى الجريمة والقتل والفاحشة من اجل تحصيل المال وبالتالي شيوع الفحشاء والمنكر في المجتمع وكذلك الاسلام يدفع بالانسان الى العمل والقمار تجعل الانسان لا يفكر في العمل والتطور والبناء بل تجعله كاسلا عن العمل وهكذا الكثير من الاضرار .............؟
خامسا : الصدقة والعطاء المستحب
هذه الاية المباركة (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو)لا تتحدث عن الانفاق الواجب بل تتحدث عن الانفاق المستحب وهو ما زاد عند الانسان مما لا حاجة له به وفي الحديث ان رجلا جاء رسول اللَّه صلى الله عليه واله بمثل البيضة من ذهب ، وقال له : يا رسول اللَّه خذها صدقة ، فواللَّه لا أملك غيرها ، فأعرض الرسول عنه ، ثم أتاه من بين يديه ، وأعاد القول ، فقال النبي صلى الله عليه واله : هاتها مغضبا ، فأخذها منه ، ثم حذفه بها ، وقال : يأتيني أحدكم بماله لا يملك غيره ، ويجلس يتكفف الناس ، انما الصدقة عن غنى ، خذها لا حاجة لنا فيها ).ومن الطبيعي ان العطاء المستحب له فوائد كثيرة للانسان وهي دفع البلاء وقضاء الحاجات وغيرها وكذلك الصدقة مفيدة للمجتمع لان الصدقة ترفع الفقر من واقع المجتمع .
اللهم بحق الحسين اشف صدر الحسين بظهور المهدي عليه السلام