رابعاً: الأعلمية:
ومما اشترطوا في مرجع التقيد الأعلمية وقد اختلفت عباراتهم في تحديد ملاكها ننقل لكم بعضها:
فعرفها صاحب الاصول العامة بقوله: الأقوى ملكة من غيره في مجالات الاستنباط([1]).
بينما عرفها السيد الحكيم في المستمسك بقوله: الأعرف في تحصيل الوظيفة الفعلية عقلية كانت ام شرعية، فلابد من ان يكون أعرف في أخذ كل فرع من أصله([2]).
والأعلم عند السيد اليزدي (ره) هو: الأعرف بالقواعد والمدارك للمسألة، والأكثر اطلاعاً لنظائرها والأخبار، والأجود فهماً للأخبار([3]).
وعند السيد الخوئي (ره): هو الأقدر على استنباط الأحكام، وذلك بأن يكون أكثر إحاطة بالمدارك وتطبيقاتها من غيره([4]).
ويقول السيد الخامنئي في اجوبة الاستفتاءات: ملاك الأعلمية: ان يكون (المجتهد) أقدر من بقية المجتهدين على معرفة حكم الله تعالى واستباط التكاليف الإلهية من أدلتها، ومعرفته بأوضاع زمانه بالمقدار الذي له مدخلية في تشخيص موضوعات الأحكام الشرعية، وفي إبداء الرأي الفقهي لتبيين التكاليف الشرعية (التي) لها دخل في الاجتهاد ايضاً([5]).
ويقول الفقيه العاملي: الأعلم: هو المجتهد المطلق المتفوق في صنعة الاستنباط والاستدلال، المجتهد بالتتبع والاستقراء، المحيط بالنصوص والأقوال، الأكثر استقلالاً في نظرياته وآرائه في الأصول والقواعد المعقدة التي يراها العلماء بعد بيانها والكشف عنها من السهل الممتنع، المتنبه لفروع المسائل وجهاتها واختلاف مبانيها أكثر من غيره، القادر على حماية ما يرجحه ويختاره من الشبه والمناقشات، المحقق لمبانيه تحقيقاً كاملاً، الذي لا يستسلم للمشهورات ولا لعظمة العظماء من الأصوليين والفقهاء فان الاستسلام ضرب من التقليد([6]).
والمشهور اعتبارها في مرجع التقليد، بل ادعى السيد الحكيم التسالم والأجماع فقال في مستمسكه: كما هو المشهور بين الأصحاب، بل عن المحقق الثاني الإجماع عليه، وعن ظاهر السيد ـ أي السيد المرتضى ـ في (الذريعة) كونه من المسلمات عند الشيعة([7]).
وكذا في التنقيح تحت عنوان (وجوب تقليد الأعلم): هذا هو المعروف بين اصحابنا (قدهم)، وعن ظاهر السيد في ذريعته أنه من المسلمات عند الشيعة، بل المحقق الثاني دعوى الاجماع عليه([8]).
ومما استدل به على اعتبارها في مرجع التقليد:
أن العامي إذا التفت الى المسألة تردد بين:
  1. تعيين تقليد الأعلم.
  2. والتخيير بين تقليده وتقليد من سواه من المجتهدين الآخرين.

فإنه يدرك من ناحية عقلية أن تقليد الأعلم هو حجة وشروع على كلتا الحالتين، وذلك ان كان المطلوب هو التخيير فهو أحد الخيارين، وإن كان المطلوب هو التعيين فهو المتعين.
وبعكسه تقليد غير الأعلم فإنه إن كان المطلوب هو التخيير فهو أحد الخيارين، وإن كان المطلوب هو التعيين فإنه غير متعين.
وهذا يعني أن مشروعية وحجية تقليد الأعلم متيقنة على كل حال، بينما مشروعية وحجية تقليد غير الأعلم أحد الخيارين.
وعليه فيكون تقليد الأعلم هو القدر المتيقن في البين.
وهو لون من الاجتهاد العقلي الميسر الذي لا يحتاج الى مؤونة تفكير بأكثر من الالتفات الى واقع المسألة.
وهنا يستطيع العامي الاستناد الى هذا الاجتهاد والأخذ به اعتماداً على النتيجة المتيقنة التي يتوصل اليها.
ولعل ما تقدم هو مراد السيد المرتضى وتبعه عليه صاحب المعالم من أن العامي عندما يتوجه الى المسألة يحصل له الوثوق بالرجوع الى الأعلم أكثر وأقوى من الرجوع الى غيره.
ففي الذريعة: لأن الثقة هاهنا(يعني تقليد الأعلم) اقرب وأوكد.
وفي المعالم: وحجتهم عليه: أن الثقة بقول الأعلم أقرب وأوكد.
هذا بالنسبة الى العامي على أساس أن لا تقليد في مسألة التقليد، وإن على العامي أن يلتزم بما تؤديه اليه قناعته في تفكيره من أمور واضحة.
أما بالنسبة الى البحث الفقهي فقد استدل القائلون بالتعيين بالأدلة التالية:
اولاً: الأجماع: وقد حكاه المحقق الثاني كما تقدم.
ثانياً: بناء العقلاء: قال السيد الخوئي (ره): إن عمدة أدلة القائلين بوجوب تقليد الأعلم إذا اختلف مع غيره هو بناء العقلاء([9]).
فإن سيرة العقلاء قد جرت على الرجوع الى الأعلم عند العلم بالمخالفة كما هو المشاهد في غير الأحكام من الحِرَف والعلوم، وحيث ان تلك السيرة لم يردع عنها في الشريعة المقدسة فسنكتشف بذلك انها ممضاة عند الشارع.
ويستثنى من ذلك ما إذا كانت فتوى الأعلم على خلاف الاحتياط، وكانت فتوى غير الأعلم موافقة له، كما اذا افتى الأعلم بالإباحة في مورد، وأفتى غير الأعلم بالوجوب، فإن العقلاء في مثل ذلك وإن كانوا يرجعون الى غير الأعلم احياناً، إلا انه لا لأن فتواه حجة عندهم بل لأنه عمل بالاحتياط، فيأتون به برجاء درك الواقع، إذن لا يمكن اسناد ما افتى به غير العلم الى الله والإتيان به بقصد الأمر والوجوب، وهذا الوجه هو الذي نعتمد عليهخ في الحكم بوجوب تقليد العلم في محل الكلام([10]).
ثالثاً: الروايات: وأهم ما استدلوا به منها: مقبولة عمر بن حنظلة العجلي الكوفي، قال: سألت ابا عبد الله (8) عن رجلين من اصحابنا بينهما منازعة في دين او ميراث فتحاكما...الى ان قال: فإن كان كل واحد اختار رجلاً من اصحابنا فرضياً أن يكون الناظرين في حقهما، فاختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكما؟
فقال (8): الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت الى ما حكم به الآخر.
حيث دلت على وجوب تقديم الأفقه على غيره([11]).


([1]) الأصول العامة: 659.

([2]) مستمسك العروة الوثقى: ج1 ص36.

([3]) العروة الوثقى: المسألة 17.

([4]) المسائل المنتخبة: المسألة 16.

([5]) اجوبة الاستفتاءات: ج1ص9، الفتاوى الواضحة: ص11.

([6]) عمدة المتفقه: ص8.

([7]) مستمسك العروة الوثقى: ج1، ص26.

([8]) التنقيح في شرح العروة الوثقى: ج1، ص134.

([9]) انظر: الاجتهاد والتقليد، ص185 فإنه نقله عن دروس في فقه الشريعة: ج1، ص79.

([10]) التنقيح في شرح العروة الوثقى: ج1، ص 142.

([11]) التنقيح في شرح العروة الوثقى: ج1، ص143.