إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

استعراض تحليلي لتاريخ الإسلام/الأستاذ بناهيان

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #11
    ستعراض تحليلي لتاريخ الإسلام 9

    إن مسقط رأس الإسلام كان بين قوم حرّ

    هناك نقطة إيجابية أخرى كانت في الأعراب الجاهلية وحتى قد أشار إليها بعض المستشرقين والمؤرّخين الغربيّين وهي أن: عندما عمد أهل الروم على اقتحام الجزيرة العربية، قال بعض رجالهم إلى أهل الروم: ماذا الذي أطمعكم على الهجوم علينا؟ إن أرضنا أرض قفراء غير ذي زرغ، وأما إذا أردتم استعبادنا، فنحن العرب لم نخضع بعد لسلطة حاكم ولن نخضع بعد هذا، كما سوف لن يخدمكم العبيد الذين تستعبدونهم من قومنا، إذ كنا أحرارا وعشنا أحرارا. حتى أولئك الذين بالغوا في سلبيّات العرب الجاهلية، قد اعترفوا بهذه الإيجابية من أنهم كانوا أحرارا ولم يخضعوا للعبودية لأحد، وكانوا مستقلين بمقتضى نفسيّتهم.

    لماذا نشأ الإسلام بين قوم أحرار؟

    لماذا يجب أن ينشأ الإسلام بين قوم أحرار؟ لعل أحد أسباب هذه الظاهرة هي أن مقتضى قبول دين ما، هو كون الإنسان أو القوم حرّا عن عبوديّة الطواغيت والفراعنة، إذ أن الطواغيت والفراعنة لا يسمحوا للناس بدخولهم في الدين بسهولة.
    السبب الآخر في ظاهرة نشوء الإسلام بين قوم أحرار، هو أن لو كان الرسول(ص) قد بعث في إيران أو الروم أو كان قد بعث في ظل سلطة الفراعنة مثل النبي موسى(ع)، لانشغل منذ انطلاقة بعثته بقضية سياسية ضخمة ونزاع كبير على قضية زمام القدرة ولما أتيحت له فرصة الظهور والنشاط الرسالي تحت ظل تلك القوى، إذ لا يمكن القيام بمسؤوليّة الرسالة الخاتمة تحت ظل طواغيت الجور الذين كانوا يحكمون امبراطوريات؛ فلو كان قد انطلق من تلك الأوساط لهمّشت رسالته في خضمّ المعادلات السياسية السائدة آنذاك. ويجدر بالانتباه أن النبي موسى(ع) أيضا هاجر بعد مبعثه مع قومه وخرج من سلطة فرعون.

    إن مواجهات الأنبياء لمعارضيهم تمثل أهم أحداث حياة الإنسان على مرّ التاريخ

    طبعا وبالتأكيد لم يسلم النبيّ(ص) من المشاكل والمعارضات في ذاك المجتمع الحرّ، ولكن ما هو نمط المشاكل التي واجهها النبي(ص)؟ إن نمط المشاكل الرئيسة التي كان يواجهها النبي(ص) هي من نمط المشكال والخلافات التي كانت بين هابيل وقابيل. فقد شاءت إرادة الله سبحانه أن يعاني النبي(ص) نفس المشكلة التي عاناها هابيل عندما ثقل على أخيه قابيل قبول أفضليّته عليه. فلو كانت معاناة النبي(ص) تأخذ منحى آخر، لما أمكن فهم وبيان الكثير من الحقائق.
    من المهمّ جدا أن نعرف ما هي الظروف الزمانية والمكانية التي دوّنت فيها هذه الوصفة الخالدة والعالمية المتمثلة بدين الإسلام وما هي البيئة الاجتماعية التي تبلور فيها هذا الدين. فإن مقتضى القاعدة تفرض أن تكون أرضية نشوء الإسلام والقاعدة الاجتماعية التي وقع مبعث النبيّ فيها، تشتمل ـ بمعادلاتها ونزاعاتها وأحداثها ـ على أهمّ قضايا حياة الإنسان. فلابدّ أن تكتب هذه الوصفة ويتبلور هذا الدين في مكان خاصّ، بحيث تكون أحداثه ومنعطفاته من جانب العدوّ والصديق تمثّل أهم احتياجات حياة الإنسان إلى يوم القيامة. ومن هذا المنطلق يصبح تاريخ الإسلام تاريخا جديرا بالتأمل جدا.

    لم يكن سبب عداء الكثير ممن عادوا الرسول(ص) هو حبّ الجاه أو المال

    إذا كانت مكة مدينة دينية فما الذي جرّهم إلى معاداة النبي(ص)؟ في الواقع إن الكثير من ناوءوا الرسول(ص) لم يكونوا لا دينيّين من الأساس ولا ممّن ينكر الله والمعاد ولا أنهم بعيدون كل البعد عن الفضائل والمكارم. ولا فرق في هذه الحقيقة بين العرب والأعراب الذين (لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّه‏)[العنكبوت/61] وبين يهود المدينة الذين كانوا ينتظرون النبيّ الخاتم(ص) كما أشار القرآن. أفلا تدلّ هذه الحقائق على أن أهمّ مشكلة يواجهها الدين هو مواقف بعض المتديّنين ومدّعي الإيمان؟! إنها تحكي بوضوح عن مدى المشاكل التي يوجدها خبث ضمير بعض ما يسمّون بالمؤمنين والمتديّنين. فإذا آمن أو أسلم شخص بحسب الظاهر لا يعني أنه صلح وطابت سريرته، بل هناك طريق طويل.

    يتبع إن شاء الله...

    تعليق


    • #12
      ستعراض تحليلي لتاريخ الإسلام 10

      النقطة الأخرى التي مهمة جدا، هي السبب الذي حرض أعداء الرسول(ص) على عداوته. إذ من المهمّ جدا أن نعرف نمط عداوتهم مع الرسول(ص). إن نوعية عداوتهم مما يجدر بالتأمل وهي تمثل أدقّ نقطة جديرة بالتأمل والإمعان في تاريخ حياة الإنسان. فلم تكن نوعية عدائهم من نمط عداء ذاك الإنسان المحبّ للجاه والمال تجاه من جاء يسلب جاهه وأمواله. حيث إنهم كانوا على استعداد من ترئيس النبي(ص) على أنفسهم وأن ينفذوا أوامره، كما كانوا على استعداد من أن يعطوه من الثروة والأموال ما يجعله أغنى منهم. كما كانوا مستعدين على أن يزوجوه أجمل بناتهم. حتى أن عداوتهم لم تكن من وحي كره العبادة، إذ أنهم كانوا يقومون ببعض العبادات والطقوس قبل مبعث النبي(ص)، فما جاء به النبي(ص) كان يغيّر بعض عباداتهم وحسب، وبالمناسبة إن بعض عباداتهم سهلت بعد الإسلام.

      كان أبوجهل معتقدا بصدق النبي(ص) ولكن لم يقدر على قبول أفضليته المعنوية

      إذن لماذا عادوا النبي؟ ينقل عن أحد أهم أعداء النبي(ص) كلمة لطيفة جدا. أبوجهل الذي كان من أبرز شخصيات قريش ولعله كان على رأس أعداء النبي(ص) في قريش، هكذا عبّر عن سبب عدائه النبيّ(ص) فقد قال: «تنازعنا نحن و بنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، و حملوا فحملنا، و أعطوا فاعطینا، حتى إذا تجاثینا على الر?ب و ?نا ?فرسی رهان قالوا: منا نبی یأتیه الوحی من السماء، فمتى ندر? هذه؟ و الله لا نسمع به أبدا و لا نصدقه»[تاریخ البيهقي/2/206 و سیرة ابن هشام/1/316] وأبوجهل نفسه كان يعترف الخلا بصدق الرسول(ص)؛ «أن الأخنس بن شریق خلا بأبی جهل، فقال له: یا أبا الح?م، أخبرنى عن محمد صلى الله علیه و آله، أصادق هو أم ?اذب! فإنه لیس هاهنا من قریش أحد غیرى و غیر? یسمع ?لامنا، فقال له أبو جهل: ویح?! و الله إنّ محمدا لصادق، و ما ?ذب‏ محمد قط؛ و ل?ن إذا ذهب بنو قصيّ باللواء و الحجابة و السّقایة و النّدوة و النبوّة، ما ذا ی?ون لسائر قریش!» [أمالي المرتضى، ج‏2، ص: 265 و الشفا للقاضي عیاض ،ج‏1،ص270 : أخرجه ابن اسحاق و البیهقی عن الزهري، و ?ذا ابن جریر عن السدی، و الطبرانی فی الأوسط].
      وكانت بين طائفة أب جهل وطاءفة «بني قصي» التي هي طائفة رسول الله(ص) منافسات قديمة، وقد أشاره إليها أبوجهل بكل صدق وصراحة. حيث أشار إلى منافستهم لبني قصي منذ القدم في مناصب مكة وأنه كان لبني قصي التقدّم والتفوّق على مرّ الزمان، فلا طاقة لنا بعد أن يستولوا على منصب النبوّة، إذ سوف تخلو جميع المناصب لهم دون غيرهم.

      لقد بعث الله النبيّ(ص) بين مجتمع عاداه بسبب الحسد أكثر من أي سبب آخر

      هنا نكتشف أن عداوة مخالفي النبي(ص) كانت من نمط عداوة قابيل لهابيل. فقد بعث الله النبي(ص) بين مجتمع عاداه بسبب الحسد أكثر من أي سبب آخر. وهذا هو السبب الذي حرّض إبليس على عداء آدم، وأجّج الضغينة في قلب قابيل تجاه هابيل. فيا ترى ما هو سرّ الحسد في تاريخ حياة الإنسان؟ وتجد هذا الحسد نفسه اليوم يحرق قلوب البعض عندما يشاهدون بعض المسلمين يحبّون ويودّون أهل بيت النبي(ص)؟ وإن هذا الحسد نفسه أثار قلوب البعض ليقول: «لابد وأن نقيم تمثالا عظيما في ساحة الشام ليزيد وفي يده رأس الحسين». فإنك تجد هذا الحسد مستفحلا في قلوب هؤلاء الذين يقدسون قاتلي أبي عبد الله الحسين(ص) ويجاهدون ويُقتلون في هذا السبيل وبهذا المبدأ وحتى لو اقتضت الضرورة لا مانع لديهم من التجاسر على النبي(ص). وإن هذا النوع من الخلاف الناشئ من الحسد، هو الذي سوف يسبّب أهمّ حرب في التاريخ بين الحق والباطل.

      إن نمط عداوة بني أمية مع بني هاشم هو من نفس نوعية عداوة أبي جهل مع النبي(ص)

      بعد أن انتصر الإسلام وأزال بعض الموانع كأبي جهل، ظهرت مشكلة أخرى مشابهة للأولى وهي عداوة بني أمية مع بني هاشم. حيث واجه أمير المؤمنين(ع) عداوة بني أمية؛ إذ كان قد ثقل عليهم أن تكون الأفضلية لبني هاشم دونهم. وهذا ما تشهد به أبيات يزيد اللعين عند رأس الحسين(ع) حيث أفصح عن كفره بالرسول(ص) وبدأ ينشد أبياته بنَفَس قَبَلي؛ «أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ عَلِیُّ بْنُ الْحُسَیْنِ ع وَ حَرَمُهُ عَلَى یَزِیدَ وَ جِی‏ءَ بِرَأْسِ الْحُسَیْنِ ع وَ وُضِعَ بَیْنَ یَدَیْهِ فِی طَسْتٍ فَجَعَلَ یَضْرِبُ ثَنَایَاهُ بِمِخْصَرَةٍ ?َانَتْ فِی یَدِهِ وَ هُوَ یَقُولُ: «لَعِبَتْ هَاشِمُ بِالْمُلْ?ِ فَلَا / خَبَرٌ جَاءَ وَ لَا وَحْیٌ‏ نَزَلَ»[الاحتجاج للطبرسي/ج2/ص307]
      هكذا حلّل أمير المؤمنين(ع) تاريخ العداوة بين الحق والباطل من إبليس وقابيل إلى أعداء الأنبياء وعدوه معاوية بالتحديد، حيث قال في كتابه إلى معاوية: «نحْنُ آلُ إِبْرَاهِیمَ الْمَحْسُودُونَ وَ أَنْتَ الْحَاسِدُ لَنَا؛ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِیَدِهِ‏ وَ نَفَخَ فِیهِ مِنْ رُوحِهِ‏ وَ أَسْجَدَ لَهُ الْمَلَائِ?َةَ وَ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ ?ُلَّهَا وَ اصْطَفَاهُ عَلَى الْعَالَمِینَ فَحَسَدَهُ الشَّیْطَان‏ ... و نُوحاً حَسَدَه قومُه إذْ قالُوا: «مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُ?ُمْ یُرِیدُ أَن یَتَفَضَّلَ عَلَیْ?ُمْ» ذَلِ? حَسَداً منْهم لِنُوح أنْ یُقِرّوا لَه بالفَضْلِ و هُو بَشَرٌ، و مِن بعْدِه حَسَدُوا هُوداً ... وَ مِنْ قَبْلِ ذَلِ?َ ابْنُ آدَمَ قَابِیلُ قَتَلَ هَابِیلَ حَسَداً فَ?َانَ مِنَ الْخَاسِرِین‏»[الغارات/ج1/ص117]
      ثم بعد أن انتهى نزاع بني هاشم وبني أمية، نشأ نزاع «بني العبّاس» و «بني أبي طالب»، واللطيف أن بني العباس كانوا فخذا من بني هاشم، فكان النزاع القومي قد فقد مصداقيته في هذا العداء الأخير، حيث عادا أهل البيت أقاربهم وبنو عمّهم، وهذا ما يدلّ على استمرارية مثل هذا العداء على مرّ الزمان.

      يتبع إن شاء الله...

      تعليق


      • #13
        استعراض تحليلي لتاريخ الإسلام 11

        إن أهم سبب في التمرّد على الولاية هو الحسد

        وهذه الظاهرة جارية إلى يومنا هذا، حيث إن أهم دوافع التمرّد على الولاية ومعاداتها هو الحسد. أرجو أن تقارنوا بين الأثر النفسي لقبول النظام الديمقراطي وبين الأثر النفسي في قبول نظام ولائي، فانظروا ما الفرق بينهما؟ طبعا يعتقد الكثير من المفكرين وقد اتضحت هذه الحقيقة اليوم أن لا يمكن تحقق النظام الديمقراطي بمعنى سيادة الشعب على نفسه وتحكمه على مصيره بشكل حقيقي. فإن أفضل نماذج الديمقراطية الممكنة التي يستشهدون بها هي الديمقراطية الخبيثة لأمريكا والدول الأوروبية التي بيضت جرائمها وجود فراعنة التاريخ وأمثال نمرود والحجاج وهيتلر. هذه هي نتيجة الديمقراطية على أرض الواقع. ولكن على فرض المحال حتى وإن أمكن تحقّق الديمقراطيّة، تجد أن الأثر النفسي لقبول الديمقراطيّة أسهل وأخفّ على قلب الكثير من الناس من أثر قبول الولاية. فتأملوا في سبب ذلك. وبعبارة أخرى بالرغم من أن الشعب أكثر سيادة وتأثيرا على مصيره في النظام الولائي لماذا تجد الولاية ثقيلة على قلوب البعض ممن ينادون باسم الشعب وحقوق الشعب؟ لماذا يستنكفون عن قبول النظام الولائي مع أنه نظام بلا منافس في إحقاق حقوق الشعب، وقد شاهدوا فشل تجربة الديمقراطية إذ قد أصبحت جميعها آلة في خدمة القوى المستكبرة الفاسدة؟ (يرِیدُونَ أَنْ یَتَحا?َمُوا إِلَى الطَّاغُوت)[النساء/60].
        السبب هو أن في النظام الولائي لابدّ للإنسان أن يخضع لأفضلية إنسان آخر عليه من الناحية المعنوية، وهذا ما لا يطيقه من كان في قلبه حسد. فيا ترى هل أن الحسد مرتبط بزمن هابيل وقابيل ولا أثر له اليوم في عالمنا المتحضر؟! فإن لم يكن الحسد صاحب الدور المهمّ في الحروب المستقبليّة والمصيرية في العالم، لماذا نجد طبولها تقرع بهذا النفس؟ لماذا سوف يظهر «السفیانی» فی الشام لمواجهة الإمام الحجة(عج)؟ أفلا يدلّ هذا الاسم على دوافع جيش السفياني، وأنه سوف يحارب الإمام المهدي(عج) بنفس دوافع أبي سفيان في محاربته النبي(ص)؟!
        لا شك في أن الدين جاء ليطهر قلوب الناس من الرذائل ولكن هل جميع الرذائل سواء في مدى خطورتها وقبحها؟! عندما نراجع تاريخ البشر، لا نجد لباقي الصفات الرذيلة وزنا بقدر «حسد الأولياء». فهل يعقل أن يكون هذا الموضوع قد أصبح العنصر الرئيس في جميع قصص الأنبياء عن صدفة وبلا أي دليل؟! فكيف ينبغي أن نغفل عن هذه الرذيلة المهمة؟!
        لا أريد الآن أن أتعرض إلى أسباب معاداة النبي(ص) ولكن أريد أن أسلط الضوء على هذه النقطة وهي أن الله سبحانه قد بعث رسول الله(ص) في مكان تُشاهَد فيه علة العداء بكل وضوح، فمن أراد دراسة تاريخ الإسلام لابد أن ينظر إلى علة العداء هذه كمحور رئيس.

        ينظر البعض إلى تاريخ الإسلام بنظرة غربية أو شرقية

        في أيّام الثورة الإسلامية في بلدنا (إيران)، كان البعض يحللون تاريخ الإسلام بنَفَس شيوعي أو اشتراكي، فكانوا يقولون: «كان النبي(ص) من الطبقة المحرومة في المجتمع! فحاربه الإقطاعيّون والرأسماليون، فجاء النبيّ واستنعض العبيد وقضى على الأسياد...». فمثل هذه التحليلات باطلة لا حظ لها من الصواب، وأساسا لم يكن النبيّ من الطبقة المحرومة في المجتمع، فكانت زوج النبي(ص) من أغنى نساء مكة، وكان النبي(ص) نفسه من الطبقات العالية في المجتمع.
        فلابدّ أن ننظر إلى التاريخ برؤية صائبة ونحلله بشكل صحيح. فهناك من ينظرون إلى تاريخ الإسلام برؤية غربية أو شرقية ويخرجون بتحليلات خاطئة. وكذلك اليوم وبعد انتهاء شوط الأفكار الشيوعية والاشتراكية تجد كثيرا منهم يرغبون في تفسير تاريخ الإسلام بنفس ليبرالي! ولهذا نصيحتي لكم أيها الإخوة الأعزاء أن راجعوا تاريخ الإسلام بأنفسكم وباستعانة القرآن. فقد أعطى القرآن الأصول الرئيسة والخطوط العريضة في التاريخ ولابدّ أن نقرأ التاريخ على هذا الأساس. إنه عمل واضح جدا وسوف نقرأ التاريخ في الجلسات القادمة على هذا الأساس إن شاء الله، إذ من المهم جدا أن نقرأ التاريخ بشكل صحيح. اللهم أرنا الأشياء كما هي. ولا تجعل حجابا بيننا وبين الحقّ والصواب.

        تعليق


        • #14
          استعراض تحليلي لتاريخ الإسلام 12

          إليك ملخّص الجلسة الثالثة من سلسلة محاضرات سماحة الشيخ الأستاذ بناهيان في جلسات هيئة الشهداء المجهولين في طهران في موضوع «استعراض تحليلي لتاريخ الإسلام»


          في مسار دراسة التاريخ، لابدّ من تسليط الأضواء على دور «العدو» المهم جدا في حياة الإنسان

          لقد أوصانا أهل البيت(ع) أن نكون على معرفة بالكفر، وأساسا لا يمكن معرفة الإيمان والقرآن إلا أن نعرف الكفّار ومنكري القرآن. وعلى مرّ الدهور هناك جهتان متقابلتان في الساحة التي نعبّر عنها بالحقّ والباطل أو الخير والشرّ، وحتى قد خلق الباطل قبل خلق الإنسان. إن شخصية إبليس ـ لا شخصه بالذات ـ شخصية ذات أسرار ورموز وقد خلق إبليس قبل خلق آدم بستة آلاف سنة أو أكثر؛ «وَ كَانَ قَدْ عَبَدَ اللَّهَ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ لَا يُدْرَى أَ مِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَوْ مِنْ سِنِي الْآخِرَة»[نهج البلاغة/خ192]. وقد جهّز بأدوات العداء لبني آدم منذ خلق آدم(ع). ولعلّ الله سبحانه أراد أن يعرفنا على مدى أهمية دور العدو في حياة الإنسان الدنيوية. ومن هذا المنطلق لابدّ أن ننظر إلى هذا الموضوع في دراستنا التاريخيّة بشكل خاص.
          إحدى الحقائق التي لابدّ أن نعرفها في علاقة ظاهرة العدو بحياة الإنسان وسعادته، هي أنه إذا أريد للإنسان أن يتقرب إلى الله وينتج قيمة في مسار حركته نحو الله سبحانه، لابدّ أن يكون هذا التكامل في خضمّ صراع وعداء. ففي الواقع إن هذا العداء يمثل أرضية يتكامل الإنسان فيها. ولهذا إن التغافل عن موضوع «العداء» هو من مكائد إبليس وقد خدع البعض مع الأسف بهذا الكيد، فهم يعيشون دون التفات إلى العدوّ ولا الشعور بتواجد العدو ولا يشعرون بالعداء تجاهه.

          من أهمّ أدوار أولياء الله هو كشف حقيقة العدوّ

          لقد كانت رسالة أولياء الله في موضوع العدو رسالة عظيمة. فقد كان لهم الحظ الأوفر في مواجهة العدو وتلقّي الصدمات والمظالم من قبله. وباعتبار أن إولياء الله هم قدوتنا في سلوكهم إلى الله، لابدّ أن يكونوا قدوتنا أيضا في جهادهم للعدو وفي تحمل المصائب والمظالم في خضمّ حربهم معه.
          عندما ننظر إلى عمل أولياء الله ونشاطهم الرسالي، نجدهم أحيانا يهدفون إلى كشف حقيقة العدو أكثر من إظهار أنفسهم. ولا شك أن مشاهدة العدو وإدراك جبهة الباطل أبسط وأسهل من مشاهدة الله ومعرفة حقيقة أولياء الله وحقائق العالم الأصيلة، إذ إن العدو سافل ويمثل ظاهرة أرضيّة، بيد أن حقيقة أولياء الله من عليّين فليس معرفتهم بأمر هيّن. فالعدوّ أسهل إدراكا ومعرفة من الله سبحانه وأوليائه عليهم السلام. وكذلك يمكن مشاهدة العداء الذي يحمله العدوّ تجاه الله وأوليائه ولا يحتاج فهمها إلى إيمان قويّ بالغيب أو رياضة النفس.
          حتى إذا ننظر إلى ما أنجزه الإمام الحسين(ع) في كربلاء، نجد أن الإمام لم يكن بصدد إظهار نفسه ومنهجه بقدر ما كان يريد أن يفضح حقيقة جبهة الباطل ومدى انحطاطها. ولهذا نرى أولئك الذين اصطفوا أمام الحسين(ع) وقاتلوه كانوا ذات خصائص متميّزة. فيبدو أن كربلاء هي محل تجسد الأشقياء أكثر من كونها محل تجلي الأولياء وإن فهم حقيقة كربلاء مرهون بمعرفة حقيقة جبهة الباطل أكثر من أيّ شيء آخر.

          إن دراسة أسباب عداء أعداء النبي(ص) وأساليبهم في العداء، تمثّل قضية محورية جدا

          كما أن وجود عدوّ لدود باسم إبليس في قصّة النبي آدم(ع) هو محل استلهام دروس عظيمة، وكما في الصراع الذي وقع بين «هابيل وقابيل»، يبدو معرفة عداء قابيل أمرا مهمّا جدّا. كذلك عندما نصل إلى زمن النبي الأعظم(ص) ونعمد إلى دراسة تاريخ مكة، من المهمّ جدا أن نعرف من كان أعداء النبي(ص) وما هي أسباب عدائهم وكيف أظهروا عداءهم؟ إذن معرفة أعداء النبي(ص) والذين لم يؤمنوا برسالته أمر مهمّ جدا في دراستنا، ولا سيّما في هذا الزمان الذي أصبح عداء جبهة الباطل لنا أوضح وأجلى من أيّ زمان آخر.
          إن ما نعيشه من عدم الاستقرار في منطقتنا ناشئ من ارتباك العدوّ وعدم استقراره، وهو الآن من خلال كشف اللثام عن عدائه، يساهم ـ شاء أم أبى ـ في ازدياد بصيرتنا برجسه وقذارته. حتى قد يمكن القول بأنّ أوج الاستعداد لظهور إمام العصر والزمان(عج) يتمثّل في أوج معرفة العالم البشري بأعداء الحقّ. إذن أكثر من أن نهتمّ بمعرفة شخصية الإمام الحجة(عج) علينا أن نعرف عدوّ الإمام. فإن تكاملنا في معرفة العدوّ في هذا الزمان عند ذلك نستطيع أن نرتقي معرفيا ونصل إلى مستوى الموطئين لظهور الإمام(عج) أو أنصار الإمام الحجّة.
          إن حدث الظهور هو بمعنى فتح صفحة جديدة في تاريخ الإنسان، فكل التاريخ الذي مضى قبل الظهور ينطوي في فصل واحد بالنسبة إلى العالم بعد الظهور. ويبدو أن من أهم ما سوف يتغير وضعه بعد الظهور هو العدوّ. وكذلك يبدو أن تاريخ الإنسان ينطلق من عدوّ يعاديه، وينتهي هذا التاريخ إلى زمن يعرف فيه الإنسان عدوّه ويقدر عليه. إذن من الطبيعي جدا لهذا العدوّ الخطر أن يصل في آخر أيّام حياته إلى الذروة والقمة في عدائه.
          منذ أن خلق الله آدم(ع) إلى زمن مبعث الرسول(ص) وإلى يومنا هذا كانت ظاهرة الأعداء من أهم أركان تاريخ حياة الإنسان. ولهذا إذا أراد الإنسان أن يكون إنسانا واعيا، فلابدّ له من معرفة عدوّه، وإذا أراد أن يعيش حياة طيّبة، فلابدّ أن يحقق هذه الحياة في خضمّ عداء ومواجهة، وإذا أراد أن يأخذ بيد المجتمع البشري إلى شاطئ سعادتها المتمثل بعصر ظهور المهدي(عج)، فلابدّ أن يجتاز من مانع هذا العدوّ التاريخي اللدود؛ يعني أن يذبح ويهلك إبليس وحزبه من شياطين الإنس في جميع أرجاء العالم. ولا شك في أن لا سبيل إلى تحقيق هذا الأمر بلا معرفة وبدون استعداد. فلابدّ أن يقضى على هذا العدو العريق والمخضرم للإنسان بالنحو الذي لا يرجع بعد ذلك أبدا.
          فإذا صحّ هذا الكلام، وإذا أردنا أن تكون حياتنا أكثر عقلانية ومعنوية وعشقا وعرفانا، فلابدّ أن نرسم حياتنا على أساس جهاد متواصل ومواجهة دائمة للأعداء. وهذا ما يسمّى بالحياة الثوريّة، وهي حياة المجاهدين وحياة غير الغافلين وحياة غير البهائم. فهذا هو منطلق الحياة الثورية والروحية الثورية. وهنا يتبلور العرفان والمعنوية الحنيفة والأصيلة التي نحتاجها اليوم. لابدّ لنا أن نعيش هذا الصراع إذ نحن بصدد إنهاء هذا الصراع لصالح جبهة الحق.

          يتبع إن شاء الله...

          تعليق


          • #15
            استعراض تحليلي لتاريخ الإسلام 13

            هل بإمكاننا في هذا الزمان أن نقضي على جبهة العداء للبشر و للأنبياء الربانيين؟

            لابدّ لنا أن نعيش هذا الصراع إذ نحن بصدد إنهاء هذا الصراع لصالح جبهة الحق. فهذا هو سؤال زمننا المعاصر لنا، أن هل تقدرون على إنهاء هذا الصراع؟ هل تستطيعون أن تقضوا على ظاهرة العداء للأنبياء الربانيين؟ فإذا أردنا أن ننهي هذا الصراع فلابد أن نخوض في معمعته ونعيش أجواءه.
            حتى لو كنّا لا نحتمل أننا نعيش أيام آخر الزمان في العصر الراهن، وحتى لو لم نر هذا العداء المستميت من قبل أعدائنا في هذا الزمان، وكنا نعيش قبل خمسمئة سنة مثلا، لوجب علينا أيضا أن نلتفت إلى حقيقة وجود العدوّ وأن لا ننس هذه الحقيقة وهي أن حياة الإنسان قد انطلقت من عداء إبليس لآدم وقد انطلقت حياة المجتمع البشري من الصراع الذي جرى بين هابيل وقابيل. ولو كنّا في زمن أمير المؤمنين(ع) كان يجب علينا أن نعلم بأننا أكثر أقوام التاريخ مظلومية مع أن الحق معنا. وقد تضاعفت مظلوميتنا في هذا الزمان وفي خضمّ هذه الأجواء والظروف التي نعيشها.

            الآية الأولى التي أمر بها الله النبي للانطلاق في الدعوة العلنية تحكي عن صراع شديد

            فبما أن ظاهرة العداء بين جبهة الحق وجبهة الباطل ظاهرة محورية ورئيسة في تاريخ حياة الإنسان، نحن أيضا نعطي الأولوية لهذا الموضوع في سلسلة دراستنا التحليلية لتاريخ الإسلام، فلابدّ أن نقف في دراستنا عند أسباب عداء البعض للنبي(ص) وأسلوبهم في عداوتهم. لقد أشرنا في الجلسة السابقة إلى الحسد كسبب رئيس لتبلور العداء، وأما في هذه الجلسة فنلقي نظرة إلى أصل الصراع والنزاع.
            هل تعلمون ما هي الآية التّي تلقّاها الرسول(ص) من قبل الله سبحانه وتعالى وكانت هي المنطلق في دعوته العلنيّة؟ لقد أمر الله سبحانه النبي(ص) في مطلع الدعوة العلنية أن (فَاصدَع بِما تُؤمَرُ وَأعرِضْ عنِ المُشْرِكينَ)[الحجر/94] وكلمة «فاصدع» تحكي عن بداية صراع.
            «الصدع» هو القطع في أمور مهمة أو صلبة ماديا أو معنويا. [راجع مفردات راغب وتحقيق المصطفوي]. وقد سمي القول العلني صدعا لكونه يسبب الفرقة والخلاف. فقوله: (فَاصدَع بِما تُؤمَرُ) فی الواقع إشارة إلى التصريح بكلام وحديث يؤدي إلى خلاف ونزاع. فهي عبارة تشتمل على طابع نفساني خاص، وهو تلك الخصومة التي تنتجها هذه الرسالة إن كشف الستار عنها وتم بلاغها بشكل علني. ولهذا في تتمة الآية قد تحدث الله سبحانه عن جبهة الخصم المتمثلة بالمشركين وقال: (وَأعرِضْ عنِ المُشْرِكينَ).
            وفي الآية التالية يقول الله سبحانه: (إِنّا كَفَيْناَكَ المُسْتَهْزِئِين)[الحجر/95]. يعني منذ انطلاقة الدعوة، تحدث الله سبحانه عن المواجهة والمجابهة وضغوط الأعداء، فقد تحدثت هذه الآية المباركة عن بداية صراع شديد يبدأ بالاستهزاء والتمسخر والكلام المؤلم. ولهذا قال الله سبحانه في آيتين بعدها: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقولونَ)[الحجر/97] يعني أن المظلومية والمعاناة في مسار هذه المواجهة أمر طبيعي.

            لابدّ أن نعيش أجواء الحرب والصراع

            يقول المفسرون إن دعوة النبيّ(ص) العلنية قد بدأت بهذه الآية الكريمة، ومنذ بدء الدعوة العلنية بدأ العداء تجاه النبي(ص) وقد أشارت هذه الآيات إلى بعض جوانب هذا العداء والصراع. هذا هو القرآن الذي يحكي عن وجود العداوات والصراعات.
            لقد رسمت الحياة البشرية في خضمّ صراع ونزاع، كما قد تبلور ديننا أيضا في أجواء نزاع ومواجهة، ونجد اليوم أن قد بلغ هذا النزاع إلى ذروته. لقد وعدتنا أحاديث النبي(ص) وأهل البيت(ع) أن هذا الصراع سينتهي في يومٍ، وقد ذكروا علامات لانتهاء شوطه، وها نحن نرى بعض تلك العلامات. فيا ترى هل سينتهي هذا الصراع في زماننا هذا؟ فإن كان كذلك، إذن سوف يبلغ هذا الصراع في زماننا إلى ذروته.
            إن لم تخل الحياة من النزاع والعداوات، فهل يمكن للدين أن يكون خاليا عن النزاع؟ انظروا إلى السنين الثماني لدفاعنا المقدّس؛ بمجرّد أن قامت دعائم حكومة إسلامية في إيران، شنّ على شعبها حرب عالمية شرسة. لماذا فرضت علينا هذه الحرب؟ وكيف تقيّمون هذا الحدث على أساس التدبير الإلهي وألطاف الله الخفيّة؟ فإذا أردنا أن ننظر إلى هذه الحرب المفروضة بسذاجة، نقول: بدأ هذه الحرب عدوّ جاهل باسم صدّام وشغلنا بها لمدة ثمان سنين، ثم هلك. ولكن إذا أردنا أن نحلل هذه الحرب بمزيد من العمق والتمعّن، لابدّ أن نأخذ عبارة الإمام الخميني(ره) بعين الاعتبار، حيث كان يرى هذه الحرب أحد الألطاف الإلهية الخفية. لقد كان انتصار ثورتنا عبر مواجهة وعداء، وكذلك مرّت مرحلة استقرارها وتعزيزها في فترة حرب وصراع أشدّ. أفلا تدلّ هذه الحقيقة على ضرورة العيش بنَفَس الجهاد والصراع وأن نرى أنفسنا في مثل هذه الأجواء؟ حتى أن التسديدات الغيبية الإلهيّة باتت تظهر حولنا في خضمّ الحروب الظالمة والشرسة التي شنّها الأعداء ضدّنا، وقلّ ما نجد أمثالها في التاريخ.

            يتبع إن شاء الله...


            تعليق

            عذراً, ليست لديك صلاحية لمشاهدة هذه الصفحة
            يعمل...
            X