بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم أنّ الإنسان، وهو موجود حقيقي فعّال بالفكر والإرادة، إنّما ينمو ويستكمل في إنسانيّته بـ:
صحّة الفكر (قوّة نظريّة)، وقوّة الإرادة (قوّة عمليّة).

فالفكر يُعيّن له غايات فاضلة، ويرتّبها إلى أفضل وفاضل ومفضول، ويشوّقه إلى نيل كلّ ما هو أفضل من غاياته، وكلّما كانت الغاية راقية في فضلها، كانت أصعب فعالاً وأكثر موانع وآفات، نادرة الحصول، عزيزة الوجود، فاحتاجت إلى قوّة الإرادة وشدّة العزم، والإرادة من حيث قوّتها وضعفها تلازم قوّة العلم وضعفه.
(قاعدة مهمّة جداً ينبغي التعويل عليها فإذا أردتَ إرادة قوية لا بدّ من تحصيل علم يقيني متين متقوّم بتصوّر صحيح وتصديق راسخ)
فربّما أذعن الإنسان بكون أمرٍ ما من الأمور خيراً وسعادة إذعاناً مطلقاً، لا تنصرف عنه نفسه فيُريده فينحو نحوه (كأنْ يجد أنّ في الشيء المعيّن مصلحة ومنفعة كبيرة له ويصدّق بذلك تصديقاً قويّاً).
وكلّما واجهه مانع، أو صرفه صارفٌ لم يلتفت إليه، ولم ينصرف عن ما هو نصب عينيه من السعادة، فهو "قوّة الإرادة".

وربّما أذعن إذعاناً ضعيفاً يُمكن أن ينصرف عنه بأيّ مانع يبدو، أو صارفٍ يظهر عليه، فلا يثبت على إرادة عند استقبال الموانع، ويرجع قهقرى وهو "ضعف الإرادة".

وعلى هذا فالغايات العالية، والمقاصد المهمّة في الحياة الإنسانية (كطلب الوصول إلى الله تعالى وبلوغ الكمالات المعنوية)، وهي محفوفة بالموانع والآفات الصارفة، لا تُنال إلّا بثبات القدم، وتحمّل الشدائد، وهذا هو "الصبر" و "العبودية" وهي الطريقة الوحيدة التي يأمر بها الدين.
_____________
العلامة الطباطبائي، تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن.