بسم الله الرحمن الرحيم

عن أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي عليه السلام :
فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ :
أَخْبِرْنِي عَنِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَهُ أَسْمَاءٌ وَ صِفَاتٌ فِي كِتَابِهِ ؟
وَ أَسْمَاؤُهُ وَ صِفَاتُهُ هِيَ هُوَ ؟
فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام : إِنَّ لِهَذَا الْكَلَامِ وَجْهَيْنِ ؟
إِنْ كُنْتَ تَقُولُ : هِيَ هُوَ ، أَيْ إِنَّهُ ذُو عَدَدٍ وَ كَثْرَةٍ ،
فَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ .
وَ إِنْ كُنْتَ تَقُولُ : هَذِهِ الصِّفَاتُ وَ الْأَسْمَاءُ لَمْ تَزَلْ ، فَإِنَّ لَمْ تَزَلْ مُحْتَمِلٌ
مَعْنَيَيْنِ :
فَإِنْ قُلْتَ : لَمْ تَزَلْ عِنْدَهُ فِي عِلْمِهِ ، وَ هُوَ مُسْتَحِقُّهَا ، فَنَعَمْ .
وَ إِنْ كُنْتَ تَقُولُ : لَمْ يَزَلْ تَصْوِيرُهَا وَ هِجَاؤُهَا وَ تَقْطِيعُ حُرُوفِهَا !

فَمَعَاذَ اللَّهِ : أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَيْ‏ءٌ غَيْرُهُ .
بَلْ كَانَ اللَّهُ : وَ لَا خَلْقَ ، ثُمَّ خَلَقَهَا وَسِيلَةً بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ ، يَتَضَرَّعُونَ بِهَا إِلَيْهِ ، وَ يَعْبُدُونَهُ ، وَ هِيَ ذِكْرُهُ ، وَ كَانَ اللَّهُ وَ لَا ذِكْرَ .
وَ الْمَذْكُورُ بِالذِّكْرِ : هُوَ اللَّهُ الْقَدِيمُ ، الَّذِي لَمْ يَزَلْ ،

وَ الْأَسْمَاءُ وَ الصِّفَاتُ مَخْلُوقَاتٌ ، وَ الْمَعَانِي .
وَ الْمَعْنِيُّ : بِهَا هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِهِ الِاخْتِلَافُ ، وَ لَا الِائْتِلَافُ .
وَ إِنَّمَا يَخْتَلِفُ وَ يَأْتَلِفُ : الْمُتَجَزِّئُ .

فَلَا يُقَالُ : اللَّهُ مُؤْتَلِفٌ ، وَ لَا اللَّهُ قَلِيلٌ ، وَ لَا كَثِيرٌ .
وَ لَكِنَّهُ : الْقَدِيمُ فِي ذَاتِهِ ، لِأَنَّ مَا سِوَى الْوَاحِدِ مُتَجَزِّئٌ ، وَ اللَّهُ وَاحِدٌ لَا مُتَجَزِّئٌ وَ لَا مُتَوَهَّمٌ بِالْقِلَّةِ وَ الْكَثْرَةِ .

وَ كُلُّ : مُتَجَزِّئٍ أَوْ مُتَوَهَّمٍ بِالْقِلَّةِ وَ الْكَثْرَةِ ؛ فَهُوَ مَخْلُوقٌ ، دَالُّ عَلَى خَالِقٍ لَهُ .
فَقَوْلُكَ : إِنَّ اللَّهَ قَدِيرٌ ، خَبَّرْتَ أَنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ شَيْ‏ءٌ ، فَنَفَيْتَ بِالْكَلِمَةِ الْعَجْزَ ، وَ جَعَلْتَ الْعَجْزَ سِوَاهُ .
وَ كَذَلِكَ قَوْلُكَ : عَالِمٌ ، إِنَّمَا نَفَيْتَ بِالْكَلِمَةِ الْجَهْلَ ، وَ جَعَلْتَ الْجَهْلَ سِوَاهُ .
وَ إِذَا أَفْنَى اللَّهُ الْأَشْيَاءَ : أَفْنَى الصُّورَةَ ، وَ الْهِجَاءَ ، وَ التَّقْطِيعَ .
وَ لَا يَزَالُ مَنْ لَمْ يَزَلْ عَالِماً .

فَقَالَ الرَّجُلُ : فَكَيْفَ سَمَّيْنَا رَبَّنَا سَمِيعاً ؟
فَقَالَ عليه السلام : لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا يُدْرَكُ بِالْأَسْمَاعِ ، وَ لَمْ نَصِفْهُ بِالسَّمْعِ الْمَعْقُولِ فِي الرَّأْسِ .

وَ كَذَلِكَ سَمَّيْنَاهُ بَصِيراً : لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا يُدْرَكُ بِالْأَبْصَارِ ، مِنْ لَوْنٍ ، أَوْ شَخْصٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَ لَمْ نَصِفْهُ بِبَصَرِ لَحْظَةِ الْعَيْنِ .
وَ كَذَلِكَ سَمَّيْنَاهُ لَطِيفاً : لِعِلْمِهِ بِالشَّيْ‏ءِ اللَّطِيفِ ، مِثْلِ الْبَعُوضَةِ ، وَ أَخْفَى مِنْ ذَلِكَ ، وَ مَوْضِعِ النُّشُوءِ مِنْهَا ، وَ الْعَقْلِ ، وَ الشَّهْوَةِ لِلسَّفَادِ وَ الْحَدَبِ عَلَى نَسْلِهَا ، وَ إِقَامِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَ نَقْلِهَا الطَّعَامَ وَ الشَّرَابَ إِلَى أَوْلَادِهَا فِي الْجِبَالِ وَ الْمَفَاوِزِ وَ الْأَوْدِيَةِ وَ الْقِفَارِ .

فَعَلِمْنَا : أَنَّ خَالِقَهَا لَطِيفٌ بِلَا كَيْفٍ ، وَ إِنَّمَا الْكَيْفِيَّةُ لِلْمَخْلُوقِ الْمُكَيَّفِ .
وَ كَذَلِكَ سَمَّيْنَا رَبَّنَا : قَوِيّاً ، لَا بِقُوَّةِ الْبَطْشِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْمَخْلُوقِ ، وَ لَوْ كَانَتْ قُوَّتُهُ قُوَّةَ الْبَطْشِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْمَخْلُوقِ ، لَوَقَعَ التَّشْبِيهُ ، وَ لَاحْتَمَلَ الزِّيَادَةَ ، وَ مَا احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ احْتَمَلَ النُّقْصَانَ ، وَ مَا كَانَ نَاقِصاً كَانَ غَيْرَ قَدِيمٍ ، وَ مَا كَانَ غَيْرَ قَدِيمٍ كَانَ عَاجِزاً .
فَرَبُّنَا تَبَارَكَ وَ تَعَالَى : لَا شِبْهَ لَهُ ، وَ لَا ضِدَّ ، وَ لَا نِدَّ ، وَ لَا كَيْفَ ، وَ لَا نِهَايَةَ ، وَ لَا تَبْصَارَ بَصَرٍ .

وَ مُحَرَّمٌ عَلَى الْقُلُوبِ : أَنْ تُمَثِّلَهُ ، وَ عَلَى الْأَوْهَامِ أَنْ تَحُدَّهُ ، وَ عَلَى الضَّمَائِرِ أَنْ تُكَوِّنَهُ .
جَلَّ وَ عَزَّ : عَنْ أَدَاةِ خَلْقِهِ ، وَ سِمَاتِ بَرِيَّتِهِ ، وَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً .

الكافي ج1ص116ح7 .التوحيد ص193 ب29ح