بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين اللهم صل على محمد وآل محمد .

من الثابت عندنا بالدليل القطعي والنصوص الجلية الواضحة أن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) هم ولاة الأمر وحجج الله على الخلق وهم الأوصياء والخلفاء والأمراء بعد رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) وإن من دفعهم عن مقامهم هذا أو أزالهم عنه فهو ملعون (1) ومن نصب نفسه خليفة الله بعد نبيه قبلهم فهو مارق عن الدين (2) .
وفي هذا اليوم السادس من شهر رمضان المبارك تمر علينا ذكرى تأريخية وهي بيعة الناس للإمام الرضا (عليه السلام) بأمر من المأمون العباسي لعنه الله .

(( لمّا قدم الرضا (عليه السلام) إلى مرو ، اكرمه المأمون و رحّب به وجمع خواصّ أوليائه و أصحابه فقال : أيها الناس انّي نظرت في آل العباس و آل علي فلم أر أفضل ولا أورع ولا أحق من عليّ بن موسى بالخلافة ، ثم التفت إلى الامام (عليه السلام) فقال له : إني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة و أجعلها لك و أبايعك .
فقال له الامام الرضا (عليه السلام) : ان كانت هذه الخلافة لك و اللّه جعلها لك فلا يجوز أن تخلع لباسا ألبسكه اللّه و تجعله لغيرك ، و ان كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك .
فقال له المأمون : يا ابن رسول اللّه لا بدّ لك من قبول هذا الأمر ، فقال : لست أفعل ذلك طائعا أبدا ، فما زال يجهد به ايّاما حتى يئس من قبوله ، فقال له : فان لم تقبل الخلافة و لم تحبّ مبايعتي لك فكن وليّ عهدي لتكون لك الخلافة بعدي .
فقال الرضا (عليه السلام) : و اللّه لقد حدّثني أبي عن آبائه (عليهم السّلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) انّي أخرج من الدنيا قبلك مقتولا بالسمّ مظلوما تبكي عليّ ملائكة السماء و ملائكة الأرض ، و أدفن في أرض غربة الى جنب هارون الرشيد ؛ فبكى المأمون ثم قال له : يا ابن رسول اللّه و من الذي يقتلك أو يقدر على الإساءة إليك و أنا حيّ ؟ فقال الرضا (عليه السلام) : اما انّي لو أشاء أن أقول من الذي يقتلني لقلت .
فقال المأمون : يا ابن رسول اللّه إنمّا تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك و دفع هذا الأمر عنك ليقول الناس انّك زاهد في الدنيا .
فقال الرضا (عليه السلام) : و اللّه ما كذبت منذ خلقني ربّي عز و جل و ما زهدت في الدنيا للدنيا و انّي‏ لأعلم ما تريد ، فقال المأمون : وما أريد ؟ قال : تريد بذلك أن يقول الناس انّ عليّ بن موسى (عليهما السّلام) لم يزهد في الدنيا بل زهدت الدنيا فيه ، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعا في الخلافة ؟
فغضب المأمون ثم قال : انّك تتلقاني أبدا بما أكرهه وقد أمنت سطوتي فباللّه أقسم لئن قبلت ولاية العهد والّا جبرتك على ذلك ، فإن فعلت والّا ضربت عنقك .
فقال الرضا (عليه السلام) : قد نهاني اللّه تعالى ان القي بيدي إلى التهلكة فان كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك وأنا أقبل ذلك على أنّي لا أولّي أحدا و لا أعزل أحدا ولا أنقض رسما ولا سنّة و أكون في الأمر من بعيد مشيرا ؛ فرفع (عليه السلام) يده إلى السماء و قال : اللهم انّك قد نهيتني عن الإلقاء بيدي إلى التهلكة و قد أكرهت و اضطررت كما اضطرّ يوسف و دانيال (عليهما السّلام) إذ قبل كل واحد منهما الولاية من طاغية زمانه ، اللهم لا عهد الّا عهدك ، و لا ولاية لي الّا من قبلك ، فوفقني لإقامة دينك و احياء سنة نبيك ، فانّك أنت المولى و النصير ، و نعم المولى أنت و نعم النصير ؛ ثم قبل ولاية العهد من المأمون وهو باك حزين )) . (3) . فقبل بالولاية في اليوم السادس من شهر رمضان المبارك وبايعه الناس في هذا اليوم .

-----------------------------

(1) مضمون مقطع من زيارة عاشوراء .
(2) مضمون مقطع من الصلوات التي تقرأ في شهر شعبان .
(3)
عيون أخبار الرضا (ع) / الشيخ الصدوق / الجزء 1 / الصفحة 151 .