موقف الإمام الحسين (عليه السلام) في أمر الخلافة

إن الإمام الحسين السبط (صلوات الله عليه)، فقد جرى على سنن أهل بيته في التذكير بحقهم.


1 ـ فقد أنكر على عمر وهو على المنبر فقال: "انزل عن منبر أبي، واذهب إلى منبر أبيك"، فقال له عمر: إن أبي لم يكن له منبر (1).

بل في حديث عبد الله بن كعب: "إن الحسين بن علي (عليه السلام) قام إلى عمر وهو على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: انزل عن منبر جدي، فقال عمر: تأخر يا ابن أخي، قال: وأخذ حسين برداء عمر، فلم يزل يجذبه، ويقول: انزل عن منبر جدي، وتردد عليه حتى قطع خطبته، ونزل عن المنبر، وأقام الصلاة... وحسين (عليه السلام) يومئذِ دون المحتلم" (2).

2 ـ وقد تقدم منه (عليه السلام) في جواب السؤال الثاني قوله في وصيته لأخيه محمد ابن الحنفية: "وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب".

منبهاً بذلك إلى أن السيرة الرشيدة التي ينبغي أن تتبع هي سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) دون سيرة غيرهما ممن تسنم السلطة.

وربما يكون بذلك قد أضعف موقفه المادي، حيث يخسر تأييد من يوالي الأولين، ويفقد تعاطفهم معه، وهم في وقت نهضته (عليه السلام) كثيرون، ويتعرض لتهريج الأمويين، الذين يعدون ذلك نقطة ضعف على أهل البيت (عليهم السلام)، نظير ما تقدم من معاوية في كتابيه للإمام الحسن (صلوات الله عليه)، وما تقدم ويأتي منه فيما كتبه لأمير المؤمنين (عليه أفضل الصلاة والسلام).

ولكن الإمام الحسين (عليه السلام) رأى أن التأكيد على مبادئ أهل البيت (عليهم السلام)، ومذهبهم في الحكم والسلطة، أهم من القوة المادية، وتكثير المؤيدين له والمتعاطفين معه.

3ـ وكذلك فعل (صلوات الله عليه) حينما كتب من مكة المكرمة إلى جماعة من رؤساء البصرة كتاباً واحداً يقول فيه: "أما بعد فإن الله اصطفى محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) على خلقه، وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه الله إليه، وقد نصح لعباده، وبلغ ما أرسل به (صلى الله عليه وآله وسلم). وكنا أهله، وأولياءه، وورثته، وأحق الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضين، وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنّا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه..." (3).

وكلامه (عليه السلام) هذا ـ كما ترى ـ صريح في التأكيد على حقهم (عليهم السلام) في الخلافة، وفي أن رضاهم (عليهم السلام) بما حصل إنما كان كراهة للفرقة وطلباً للعافية، لا لأنهم تنازلوا عن حقهم لغيرهم، ورضوا بتوليه له، وأمضوا حكمه، لأنهم يرونه أهلاً له.


الهوامش:

(1) سير أعلام النبلاء 3: 285 في ترجمة الحسين الشهيد، واللفظ له. الإصابة 2: 77 في ترجمة الحسين بن علي بن أبي طالب. معرفة الثقات 1: 301 في ترجمة حسين بن علي ابن أبي طالب. تهذيب التهذيب 2: 300 في ترجمة الحسين بن علي بن أبي طالب. تهذيب الكمال 6: 404 في ترجمة الحسين بن علي بن أبي طالب. تاريخ واسط 1: 203 في ترجمة أبي الحسين سعدبن وهب ابن سنان السلمي. تاريخ الخلفاء: 143 في ترجمة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : فصل في نبذ من أخباره وقضاياه. تاريخ بغداد 1: 141 في ترجمة الحسين بن علي. بغية الطلب في تاريخ حلب 6: 2584، 2585 في ترجمة الحسين بن علي بن عبد مناف أبي طالب. التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة 1: 295 في ترجمة الحسين بن علي. علل الدارقطني 2: 125. تاريخ دمشق 14: 175، 176 في ترجمة الحسين بن علي بن أبي طالب. كنز العمال ج13 ص654 حديث:37662. تاريخ المدينة المنورة 3: 799.

(2) تاريخ المدينة المنورة 3: 798.

(3) تاريخ الطبري 3: 280 في ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيين الحسين (عليه السلام) للمصير إلى ما قبلهم وأمر مسلم بن عقيل (رضي الله عنه)، واللفظ له. البداية والنهاية 8: 157 ـ 158 في قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة في طلب الإمارة وكيفية مقتله.

المصدر: في رحاب العقيدة، المرجع الراحل السيد محمد سعيد الحكيم، ج2، ص129-131.