جارحة اليد:

قال الإمام السجاد زين العابدين عليه السلام: ... وأما حق يدك، فأن لا تبسطها إلى ما لا يحل لك بما تبسطها إليه من العقوبة في الآجل، ومن الناس بلسان اللائمة في العاجل، ولا تقبضها مما افترض الله عليها، ولكن توقرها بقبضها عن كثير مما لا يحل لها، وتبسطها إلى كثير مما ليس عليها، فإذا هي قد عقلت وشرفت في العاجل، ووجب لها حسن الثواب من الله في الآجل1.

إن اليد كغيرها من الجوارح التي خلقها اللَّه تعالى لما فيه فائدة الإنسان فباليد يسعى الإنسان للعمل وبها يجاهد في سبيل الله ويحمي نفسه وأرضه وعرضه وباليد يتناول الأشياء... إلى الكثير من الفوائد الأخرى.

إلا أن اليد كما يمكن الاستفادة منها في الأمور التي تصب في صالح الإنسان، فإنه يمكن أن تكون سببا لدخوله في حلقة العاصين المتعرضين لسخط الملك الجبار، من هنا فلا بلد للالتفات لليد وتهذيبها حتى تكون بكل أعمالها وحركاتها وسكناتها لله رب العالمين.

عن ماذا ننزه اليد؟
لقد حرم الشارع المقدس على يد الإنسان أمورا وأوعد عليها النار، لما لهذه الأمور من أثر سلبي على النفس وعلى المحيط والمجتمع ومن هذه الأمور التي حرمها الشارع:

1- السرقة: وقد أشار الإمام الرضا عليه السلام إلى سبب تحريمها في حيث قال: "حرم الله السرقة لما فيه من فساد الأموال وقتل النفس لو كانت مباحة، ولما يأتي في التغاصب من القتل والتنازع والتحاسد، وما يدعو إلى ترك التجارات والصناعات في المكاسب، واقتناء الأموال إذا كان الشي‏ء المقتنى لا يكون أحد أحق به من أحد"2.
والسرقة لا تتوقف عند مد اليد على المال الموجود عند الآخرين وأخذه بل يشمل كل حق في مال الإنسان لا يخرجه، ومن هذه الحقوق ما أشارت إليه الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "السراق ثلاثة: مانع الزكاة، ومستحل مهور النساء، وكذلك من استدان ولم ينوِ قضاءه"3.

2- الاعتداء على الغير: لم يترك الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام مناسبة إلا وتحدثوا فيها عن العلاقات الطيبة بين الأخوة في الدين لكيلا يتحول المجتمع الإسلامي الأخلاقي المنسجم المترابط إلى حلبة للمصارعة والتضارب بين كل غاضب أو ذي قوة متسلط يستعرض بين الناس قوته وبطشه، ففي الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "... ألا ومن لطم خد امرى مسلم أو وجهه بدد الله عظامه يوم القيامة، وحشر مغلولا حتى يدخل جهنم إلا أن يتوب"4.

3- الإضرار بالآخرين: عن الإمام الرضا عليه السلام عن رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله: "ليس منا من غش مسلما أو ضره أو ماكره"5.

4- اللمس المحرم: أي لمس الأجنبية بالمصافحة أو غيرها، وقد ورد في الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "من صافح امرأة تحرم عليه، فباء بسخط من الله"6.

اليد طريق للآخرة
بعد أن تحدثنا عن بعض الأمور التي ينبغي تهذيب اليد عنها، نشير إلى الأمور التي يكتسب فيها المؤمن آخرته من خلال يده، ومن هذه الأمور

1- الجهاد في سبيل الله: يقول تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابتَغُوا إلَيهِ الوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ(المائدة:35) حيث أن الله علق حصول الفلاح على الجهاد.

وكذلك أكدت روايات المعصومين عليهم الصلاة والسلام على أهميته ففي الرواية عن أمير المؤمنين: "
فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه وهو درع الله الحصينة وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشمله
البلاء
"7.

2- الصدقة: والصدقة من المستحبات الأكيدة، ولها أجر كبير عند الله تعالى إذا كانت بإخلاص له عز وجل ومن آثار الصدقة أنها:

أ- تظل المؤمن من حر يوم القيامة ففي الحديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: أرض القيامة نار، ما خلا ظل المؤمن فإن صدقته تظله8.

ب- تدفع البلاء ففي الحديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "الصدقة تدفع البلاء، وهي أنجح دواء، وتدفع القضاء وقد ابرم إبراماً، ولا يذهب بالأدواء إلا الدعاء والصدقة"9.

ج- تخلف البركة: ففي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: "الصدقة تقضي الدين وتخلف بالبركة"10.



1- مستدرك الوسائل الميرزا النوري، ج11، ص156.
2- ميزان الحكمة محمدي الريشهري، ج2، ص1298.
3- ميزان الحكمة محمدي الريشهري، ج2، ص1299.
4- مكاتيب الرسول الأحمدي الميانجي، ج2، ص149.
5- مستدرك سفينة البحار الشيخ علي النمازي، ج6، ص457.
6- الأمالي الشيخ الصدوق، ص515.
7- نهج البلاغة، ج1، الخطبة27.
8- ميزان الحكمة محمدي الريشهري، ج2، ص1594.
9- ميزان الحكمة محمدي الريشهري، ج2، ص1595.
10- ميزان الحكمة محمدي الريشهري، ج2، ص1597.
الملفات المرفقة