بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وسهل مخرجهم
وصل اللهم على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها عدد ماأحاط به علمك
وعجل فرج يوسفها الغائب ونجمها الثاقب واجعلنا من خلص شيعته ومنتظريه وأحبابه يا الله
السلام على بقية الله في البلاد وحجته على سائر العباد ورحمة الله وبركاته



قال تعالى في محكم كتابه المجيد: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون)(آل عمران:103).
تتكاثر أعداد المسلمين، وتتزايد يومًا بعد يوم، من دون أنْ يُشكّل هذا التزايد – رغم حجمه الكبير- قوة تساهم، وتؤثّر في القرار الدوليّ والعالميّ، أو لا أقل قوّة تساعد في حماية حقوق هذه الأمّة العظيمة في تاريخها، والكبيرة في قِيَمها.
والسّبب الأساس في ذلك هو: ما تعيشه الأمّة الإسلاميّة من شتات وتمزّق وتشرّذم..، فنحن نعيش في زمنٍ الحاكم فيه هو الأقوى، والضعيف فيه مهزوم ذليل، ويمثّل الضعف نتاجًا وإفرازًا طبيعيًّا للفرقة والشتات، وما يزيد القلب إيلامًا، ويُدمِع العين أسىً أنّنا لا نجد في الأفق القريب ولا حتّى البعيد محاولات جادّة على الطّريق الصحيح لتصحيح وضع الأمّة، وتوحيد كلمتها. بل نرى مساحات وفجوات التباعد تتزايد، وتتباعد مسافات ومسافات..، لولا دعوات المرجعيّات التي لا تألوا جهدًا في محاولات لمّ الشّتات، وتقريب الفجوات.
فيا ترى ما هي أسباب هذه الفرقة والتباعد؟
وهل إلى جمع الكلمة بحبل الله مِن سبيل؟
أسباب الفرقة:
يمكن لنا أنْ نعزو أسباب الفرقة التي تعتري المسلمين إلى أسباب فرّقت من الداخل، وأسباب من الخارج، وهي على النحو التالي:
أ‌- الأسباب الداخليّة:
ونريد بها الأسباب النابعة من الأمّة الإسلاميّة نفسها، أي من أفرادها وتركيبتها، وهي تُعدّ أشدّ خطرًا من تلك الأسباب الخارجيّة، إذ العدو إذا هاجم المتدرِّع والمتسلّح استعصى عليه ولربما صرعه ذلك المُهَاجَم، أمّا إذا هاجم العدو الضعيفَ المجرّد كان طيّعًا في يديه سهل مُتمكن، وما يحدثه التناحر الداخليّ هو الضعف والوهن، بحيث نصبح مكشوفين أمام الأعداء.
وهنا يجدر بنا أنْ نذكر أهمّ الأسباب الداخليّة التي تعصف بالأمّة:
1- انقسام الأمّة بعد وفاة الرسول الأعظم (ص)، ليُفتح بذلك سجال طويل بين الأمّة، وليبدأ مسلسل التفرّق في مذاهب عديدة ومختلفة، ولسنا بصدد الخوض فيما كان الحقّ، أو ذكر الأدلّة على أحقيّة الأمير(ع) بمنصب الخلافة بعد الرسول(ع)، فهي أكثر من أنْ تحصى، وأوضح من أنْ تدفع، ولكن ليس هذا هو محل البحث.
2- الاختلاف في جوانب أخرى عديدة وأهمها الاختلافات العقائديّة، والفقهيّة، والفكريّة وغيرها، ويقول أمير المؤمنين ع): (سبب الفرقة الاختلاف)(ميزان الحكمة1/766
، وليست المشكلة في نفس الاختلاف فقط، بل المشكلة في طريقة إدارة هذه الاختلافات، فالاختلاف بين الأفراد حاصل على كلّ حال، ولا يمكن القضاء عليه بشكل نهائيّ.
نعم يمكن تقليصه وتحجيمه، وذلك بأنّ اختلاف الإنسان في طريقة تفكيره، وما يؤثر عليه من البيئة، والمبتنيات، وغيرها يُنتج الاختلاف بشكل طبيعيّ، يقول المولى سبحانه: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)(هود:118-119).
فالتعبير بـ(و
َلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) يحكي هذه الحالة الطبيعيّة التي شهِدتها وما تزال تشهدها المجتمعات المتعاقبة.
ولا نعني بقولنا:
(الاختلاف حالة طبيعيّة) تبرير نفس الاختلاف، بل لا بدّ أنْ نعرف أنّ الاختلاف في غالب صوره حالة مرضيّة سلبيّة تعصف بكيان الأمّة، فللاختلاف أسبابه السلبيّة، ونقاط ضعف ينطلق منها، فالجهل مثلاً يعدّ من أسباب الاختلاف، فعن الأمير : (لو سكت الجاهل ما اختلف النّاس)(بحار الأنوار75/81، العلامة
ولا يكون ذلك إلا من خلال إيجاد آليّة ناجعة في إدارة اختلافاتنا، لأنِّي أعتقد بأنّ البداية الصحيحة يجب أنْ تكون من خلال الاتفاق على هذه الآليّة – ولعله يكون لنا وقفة معها في حديث آخر ولكن نتحدّث عن إشكاليّات الآليّة المعمول بها حاليًّا بيننا في إدارة ومعالجة اختلافاتنا-، إذ نجدها مبتلية بعدّة سلبيّات منها:
- لغة السبّ والشتيمة: امتلاؤها بالشتم والسبيبة، وابتعادها عن المعالجة العلميّة؛ لتكون مساحة الصدر لا العقل هي المدير لخلافاتنا، ولو رجعنا إلى ما أثر عن أهل البيت (ع) لوجدنا كمًّا من الرّوايات تعالج وتنهى الإنسان من أنْ يكون الصدر هو الذي يدير خلافاتنا، يقول الأمير (ع) بخصوص ذلك: (إنّما أنتم إخوان على دين الله، ما فرّق بينكم إلا خبث السرائر، وسوء الضمائر)(ميزان الحكمة1/766،
- الفتاوى المتشدّدة:
من أخطر ما يضرّ بوحدة الأمّة تلك الفتاوى التي يطلقها بعض الشيوخ هنا وهناك، ذات الطابع المتشدّد في الحكم على الآخر، ومن أسوء تلك الفتاوى وأعظمها شرًّا ما نجده في هذا الزمان من تعالي لغة التكفير والتظليل، بل بعضها يقارن، فيعطي الأهونيّة لليهود بالمقارنة بطائفة ما!!
فوا أسفاه من هذه الفتاوى التي لا تجلب وعيًّا، ولا تصحِّح عملاً، ولا تدعو إلى الله، ولا تصنع مجدًا بل تجرّ الآهات تلو الآهات
.
ب- الأسباب الخارجيّة
تتمثّل في خطط أعداء الدّين، ودول الاستعمار في محاربتها لكلّ نواة وحدة، أو تجمّع قويّ في هذه الأمّة، بدءًا بتقسيم الأمّة الواحدة إلى دويلات صغيرة، وخلق مشكلات فيما بينها، وحرف الأمّة عن التفكير كأمّة واحدة ذات مصير واحد؛ ليبتعد التفكير الإسلاميّ من خلال إيجاد تفكير عُرُوبيّ أو عِرقيّ، وصولاً في هذا الزمان إلى التفكير في دائرة الطائفيّة فقط، ولا ندري إلى أين نصل!

* مقومات الوحدة في الأمّة الإسلاميّة
تعدّ الأمّة الإسلاميّة أكبر مجتمع اجتمع على كلمة التوحيد، وبذلك يمتلك مقومًا وركيزة أساسيّتين على طريق الوحدة، ويمكن أنْ نقول: إنّنا إذا رجعنا إلى القرآن، وإلى السنّة لوجدنا فيها كلّ الخطوط والمقوّمات المطلوبة؛ لتضعنا في خندق الوحدة، قال الله تبارك وتعالى:
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الحجرات:10.
(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) التوبة:71.

والآية هذه من أروع الآيات في هذا الجانب إذ يشير المولى  إلى التمسك بحبله، وينتقل بعد ذلك إلى تذكيرهم أين كانوا، وأين أصبحوا..، كانوا أعداء الأمس فأصبحوا إخوان اليوم، ويدعو المسلمين إلى مراجعة الماضي المؤسف، ومقارنة ذلك الاختلاف والتمزّق بهذه الوحدة القويّة الصلبة.
وورد عن الرسول قوله (ص): (مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى)(ميزان الحكمة4
فالأمّة الإسلاميّة بعد كلّ ذلك إذن تمتلك المقوّمات الوحدويّة.
* الخطوات العمليّة التي تضعنا على الطّريق
بعد كلّ ذلك، فلنضع لنا خططًا عمليّة تعزّز الوحدة في نفوس الأجيال وتتأكد، وهذه الخطط التي سنجعلها تمثّل خططًا مستوحاة من القرآن الكريم والسنّة المباركة، والجهة المطالبة بتنفيذها هو كلّ مسلم ومسلمة، في أيّ موقع يشغله، سواء في ذلك المواقع الفكريّة والثّقافيّة والفقهيّة أم المواقع الاجتماعيّة والحياتيّة، بل حتّى المسلم العادي مطالب بسلوكها، والسير على وفقها.
والخطط التي سنجعلها يمكن أنْ نقسّمها إلى قسمين: خطط تحاكي القناعات العقليّة، والفكريّة، وما يرتبط بها، وخطط تحاكي السلوك الاجتماعيّ والأخلاقيّ.
أ- الخطط العلميّة: ونريد بها الخطط والخطوط التي تحكم العقل في بُعْدِه الفكريّ، أو الثقافيّ، أو غير ذلك، وتتمثل فيما يلي:
1- الاقتناع بالفكر الوحدويّ، والإيمان بالوحدة، باعتبار أنّها المفهوم المستوحى من القرآن الكريم، والسنّة كما مرّ.
2- الابتعاد عن لغة السبّ والشتيمة، وذلك من خلال احترام الرأي الآخر، والمذهب الآخر.
3- الابتعاد عن فتاوى التكفير والتضليل، وأنْ لا نسلب الإسلام عن أهله.
4- محاولة دراسة الآخر من خلال ما يَكتب ويَقول لا من خلال ما يُكتب عنه وما يُقال عنه.

ب- الخطط الاجتماعيّة والأخلاقيّة: تزخر الروايات والأحاديث الشريفة بالكثير من المفاهيم الاجتماعيّة التي تعزّز مفهوم الوحدة، ومنها:
1- المحبّة للغير: قال رسول الله (ص): (لا تدخلون الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنون حتى تحابّوا)(جامع أحاديث الشيعة15/592
وقال(ص) أيضًا: (ألا وإنّ المؤمنين إذا تحابّا في الله عزّ وجلّ وتصافيا في الله كانا كالجسد الواحد إذا اشتكى أحدهما من جسده موضعًا، وجدّ الآخر ألم ذلك الموضع)(بحار الأنوار71/281،
2- تعزيز مفهوم الأخوّة في المجتمع، والابتعاد عن العصبيّة: قال رسول الله (ص): (ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد فائدة الإسلام مثل أخ يستفيده في الله)(بحار الأنوار71/276،
وعنه (ص): (ليس منّا مَن دعا إلى عصبيّة، وليس منّا من قاتل على عصبيّة، وليس منّا من مات على عصبيّة)( الغدير6/189،

3- التواصل الاجتماعيّ: وقد قال الإمام الصادق (ع) في التعامل مع الآخر: (عودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم،….، وصلّوا في مساجدهم)(وسائل الشيعة8/400،
4- تعزيز مفهوم الصفح والعفو: قال أمير المؤمنين (ع): (شرّ النّاس مَن لا يعفو عن الزلّة، ولا يستر العورة)(ميزان الحكمة3/2013،
وعن الإمام عليّ (ع) في عهده المعروف لمالك الأشتر لمّا بعثه لمصر: (ولا تكوننّ عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان: إما أخ لك في الدّين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحبّ وترضى أنْ يعطيك الله من عفوه وصفحه . . .، ولا تندمنّ على عفو، ولا تبجّحن بعقوبة)(بحار الأنوار33/
الخلاصة:
خلُصنا إذًا إلى أنّ الدّين الإسلاميّ يدعو إلى الوحدة ويأمر بها، فإذا أردنا أنْ نكون على الطريق، فلنجسد تعاليم الإسلام وأحكامه؛ لأنّها هي المدد من الله، قال تعالى: (فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا)(آل عمران:103)، فنسبة الأمر إليه دليل على أنّ الوحدة تمثل إعجازًا إلهيًّا لا يحصل إلا بالله سبحانه وبتعاليمه، ونعتقد أنّنا إذا سرنا وفق الخطط التي ذكرناها والمستوحاة أصلاً من القرآن والسنّة سنصل إلى مفهوم المصير الواحد والأمّة الواحدة