بسم الله الرحمن الرحيم
من منطلق الحديث الذي يقول (من حفظ اربعين حديثا في امر دينهم بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما)
سنبدا بسلسلة من الاحاديث حول الامام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) وسوف تكون الاحاديث في معرفة من هي والدة الامام المهدي الى الرجعة وما بعدها مرورا بعلامات وشرائط الظهور وما هو دورنا في هذا العصر (نسال الله التوفيق )
الحديث الاول :في بيان ولادته (عج الله فرجه) ووالدته
(اعذرونا على طول المقال)
قال أبو محمد بن شاذان عليه الرحمة:
حدَّثنا محمد بن عبد الجبار قال: (قلت لسيدي الحسن بن علي عليهما السلام: يا بن رسول الله! جعلني الله فداك؛ أحبُّ أن اعلم أنَّ الإمام، وحجة الله على عباده منْ بعدك؟
قال عليه السلام: انَّ الإمام مِنْ بَعْدِي ابني؛ سمِيُّ رسول الله، وكنيِّه صلى الله عليه وآله وسلم؛ الذي هو خاتم حجج الله، وآخر خلفائه.
فقلت: ممَّنْ يتولد هو يا بن رسول الله؟
قال: من ابنة قيصر ملك الروم؛ ألا انَّه سيولد، فيغيب عن الناس غيبةً طويلةً، ثمَّ يظهر، ويقتل الدَّجال؛ فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً؛ فلا يحلّ لِأحَدٍ أن يسمِّيه، أو يكنِّيه قبل خروجه صلوات الله عليه). وروى الشيخان الجليلان؛ الشيخ محمد بن بابويه القمي، والشيخ الطوسي رحمة الله عليهما في كتابيهما الغيبة(١٢) بسندٍ معتبر عن بشر بن سليمان النخاس الذي كان من ولد أبي أيوب الأنصاري ومن خاصَّة شيعة الإمام علي النقي عليه السلام، وجاره في سرَّ من رأى؛ قال:
(... بينما أنا ذات ليلةٍ في منزلي بسرَّ من رأى، وقد مضى هويٍّ من الليل إذ قرع الباب قارع، فعدوت مسرعاً فإذا أنا بكافور الخادم رسول مولانا أبي الحسن عليِّ بن محمد عليهما السلام يدعوني إليه، فلبست ثيابي، ودخلت عليه، فرأيته يحدِّث ابنه أبا محمّد وأخته حكيمة من وراء الستر؛ فلمّا جلست قال: يا بشر! انك من ولد الأنصار، وهذه ولاية لم تدل فيكم يرثها خلف عن سلف، فأنتم ثقاتنا أهل البيت، واني مزكيكم ومشرفكم بفضيلة تسبق بها شاؤ الشيعة في الموالاة بها؛ بسر أطلعك عليه، وأنفذك في ابتياع أمّة، فكتب كتابة ملصقاً بخط رومي، ولغة رومية، وطبع عليه بخاتمه، وأخرج شستقة صفراء فيها مائتان وعشرون دينارا، فقال: خذها، وتوجه بها إلى بغداد، واحضر معبر الفرات ضحوة كذا، فإذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا وبرزن الجواري منها فستحدق بهن طوائف المبتاعين من وكلاء قواّد بني العباس وشراذم من فتيان العراق، فإذا رأيت ذلك فاشرف من البعد على المسمى عمر بن يزيد النخّاس عامّة نهارك إلى أن يبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا وكذا، لابسة حريرتين صفيقتين، تمتنع من السفور ولمس المعترض، والانقياد لمن يحاول لمسها ويشغل نظره بتأمل مكاشفها من وراء الستر الرقيق فيضربها النخّاس فتصرخ صرخة رومية، فاعلم أنها تقول: واهتك ستراه، فيقول بعض المبتاعين علّي بثلاثمائة دينار فقد زادني العفاف فيها رغبة، فتقول بالعربية: لو برزت في زيّ سليمان وعلى مثل سرير ملكه ما بدت فيك رغبة فاشفق على مالك، فيقول النخّاس: فما الحيلة ولا بدّ من بيعك، فتقول الجارية: وما العجلة ولا بدّ من اختيار مبتاع يسكن قلبي (إليه و) إلى أمانته وديانته، فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخّاس وقل له: إنّ معي كتاباً ملصقاً لبعض الأشراف كتبه بلغة رومية وخّط روميّ ووصف فيه كرمه ونبله وسخاءه فناولها لتتأمل من أخلاق صاحبه فإن مالت إليه ورضيته، فأنا وكيله في ابتياعها منك. قال بشر بن سليمان النخّاس: فامتثلت جميع ما حدّه لي مولاي أبو الحسن عليه السلام في أمر الجارية، فلما نظرت في الكتاب بكت بكاء شديداً، وقالت لعمر بن يزيد النخّاس: بعني من صاحب هذا الكتاب، وحلفت بالمحرّجة المغلّظة إنّه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها، فما زلت أشاحّه في ثمنها حتى استقرّ الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي عليه السلام من الدنانير في الشستقة الصفراء، فاستوفاه منّي وتسلّمتُ منه الجارية ضاحكة مستبشرة، وانصرفتُ بها إلى حجرتي التي كنت آوي إليها ببغداد، فما أخذها القرار حتى أخرجت كتاب مولاها عليه السلام من جيبها وهي تلثمه وتضعه على خدّها وتطبقه على جفنها وتمسحه على بدنها، فقلت: تعجباً منها: أتلثمين كتاباً ولا تعرفين صاحبه؟ قالت: أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الأنبياء أعرني سمعك وفرغ لي قلبك أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، وأمي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح شمعون، أنبئك العجب العجيب إنّ جدّي قيصر أراد أن يزوجني من ابن أخيه وأنا من بنات ثلاث عشرة سنة فجمع في قصره من نسل الحواريين ومن القسيسين والرهبان ثلاثمائة رجل ومن ذوي الأخطار سبعمائة رجل وجمع من أمراء الأجناد وقواد العساكر ونقباء الجيوش وملوك العشائر أربعة آلاف، وأبرز من بهو ملكه عرشاً مسوغاً من أصناف الجواهر إلى صحن القصر فرفعه فوق أربعين مرقاة، فلمّا صعد ابن أخيه وأحدقت به الصلبان وقامت الأساقفة عكفاً ونشرت أسفار الإنجيل تسافلت الصلبان من الأعالي فلصقت بالأرض، وتقوّضت الأعمدة فانهارت إلى القرار، وخرَّ الصاعد من العرش مغشيّاً عليه، فتغيَّرت ألوان الأساقفة، وارتعدت فرائصهم، فقال كبيرهم لجدِّي: أيُّها الملك! أعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدَّالة على زوال الدين المسيحي، والمذهب الملكاني.
فتطيَّر جدِّي من ذلك تطيِّراً شديداً، وقال للأساقفة: أقيموا هذه الأعمدة، وارفعوا الصلبان، واحضروا أخا هذا المدبر العاثر المنكوس جدّه لأزوِّج منه هذه الصبيّة فيدفع نحوسه عنكم بسعوده.
فلمَّا فعلوا ذلك حدث على الثاني ما حدث على الأوّل؛ وتفرَّق الناس، وقام جدِّي مغتمّاً، ودخل قصره وأرخيت الستور.
فأريت في تلك الليلة كأن المسيح وشمعون، وعدَّة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدِّي، ونصبوا فيه منبراً يباري السماء علوّاً، وارتفاعاً في الموضع الذي كان جدِّي نصب فيه عرشه، فدخل عليهم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم مع فتية، وعدَّة من بنيه، فيقوم إليه المسيح فيعتنقه، فيقول: يا روح الله! إنِّي جئتك خاطباً من وصيِّك شمعون فتاته مليكة لابني هذا؛ وأومأ بيده إلى أبي محمّد صاحب هذا الكتاب، فنظر المسيح إلى شمعون، فقال له: قد أتاك الشرف، فصل رحمك برحم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال: قد فعلت.
فصعد ذلك المنبر، وخطب محمَّدٌ صلى الله عليه وآله وسلم، وزوَّجني، وشهد المسيح عليه السلام، وشهد بنو محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم، والحواريون.
فلمَّا استيقظت من نومي أشفقت أن أقصَّ هذه الرؤيا على أبي وجدِّي مخافة القتل، فكنت أسرَّها في نفسي، و لا أبديها لهم.
وضرب صدري بمحبة أبي محمَّد حتَّى امتنعت من الطعام والشراب، وضعفت نفسي، ودقَّ شخصي، ومرضت مرضاً شديداً، فما بقي من مدائن الروم طبيب إلاّ أحضره جدِّي، وسأله عن دوائي؛ فلمَّا برَّح به اليأس قال: يا قرَّة عيني؛ فهل تخطر ببالك شهوة فأزوِّدكها في هذه الدنيا؟
فقلت: يا جدِّي أرى أبواب الفرج عليَّ مغلقةً، فلو كشفت العذاب عمَّن في سجنك من أسارى المسلمين، وفككتَ عنهم الأغلال، وتصدَّقت عليهم، ومننتهم بالخلاص؛ لرجوتُ أن يهب المسيحُ، وأمُّه لي عافيةً، وشفاءاً.
فلمَّا فعل ذلك جدِّي تجلَّدتُ في إظهار الصحة في بدني، وتناولتُ يسيراً من الطعام، فسرَّ بذلك جدِّي، وأقبل على إكرام الأسارى، وإعزازهم.
فرأيت أيضاً بعد أربع ليالٍ كأنَّ سيِّدة النساء قد زارتني، ومعها مريم بنت عمران، وألف وصيفة من وصائف الجنان، فتقول لي مريم: هذه سيِّدة النِّساء أمُّ زوجك أبي محمَّد عليه السلام، فأتعلَّق بها، وأبكي، وأشكو إليها امتناع أبي محمَّد من زيارتي.
فقالت لي سيِّدة النِّساء عليها السلام: إنَّ ابني أبا محمَّد لا يزورك وأنت مشركة بالله وعلى مذهب النصارى، وهذه أختي مريم تبرأ إلى الله تعالى من دينك، فإن ملت إلى رضا الله عز وجل، ورضا المسيح، ومريم عنك، وزيارة أبي محمَّد إيِّاكِ، فتقولي: (أشهد أن لا اله إلاّ الله، وأشهد أنَّ أبي محمَّداً رسول الله).
فلمَّا تكلَّمتُ بهذه الكلمة ضمَّتني سيَّدة النساء إلى صدرها، فطيبت لي نفسي، وقالت: الآن توَّقعي زيارة أبي محمَّد إيِّاكِ، فإنِّي منفذته إليك.
فانتبهتُ، وأنا أقول: وا شوقاه! إلى لقاء أبي محمَّد.
فلمَّا كانت الليلة القابلة جاءني أبو محمَّد عليه السلام في منامي، فرأيته كأنِّي أقول له: جفوتني يا حبيبي بعد أن شغلت قلبي بجوامع حبِّك.
قال: ما كان تأخيري عنك إلاّ لشركك، وإذ قد أسلمت فإنِّي زائرك في كل ليلة إلى أن يجمع الله شملنا في العيان، فما قطع عنِّي زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية.
قال بشر: فقلت لها: وكيف وقعت في الأسر؟
فقالت: أخبرني أبو محمَّد ليلةً من الليالي أنَّ جدِّي سيسرب جيوشاً إلى قتال المسلمين يوم كذا، ثمَّ يتبعهم، فعليكِ باللحاق بهم متنكرة في زيِّ الخدم مع عدَّة من الوصائف من طريق كذا؛ ففعلتُ، فوقعت علينا طلائع المسلمين حتَّى كان من أمري ما رأيت، وما شاهدت، وما شعر أحدٌ بي بأنِّي ابنة ملك الروم إلى هذه الغاية سواك، وذلك باطلاعي إيِّاك عليه، وقد سألني الشيخ الذي وقعت إليه في سهم الغنيمة عن اسمي فأنكرته، وقلت: نرجس، فقال: اسم الجواري.
فقلت: العجب إنَّك رومية ولسانك عربيّ؟
قالت: بلغ من ولوع جدِّي، حمله إيِّاي على تعلِّم الآداب أن أوعز إلى امرأة ترجمان له في الاختلاف إليَّ، فكانت تقصدني صباحاً مساءً، وتفيدني العربية حتَّى استمرَّ عليها لساني واستقام.
قال بشر: فلمَّا انكفأتُ بها إلى سرَّ من رأى دخلتُ على مولانا أبي الحسن العسكريِّ عليه السلام فقال لها: كيف أراك الله عزَّ الإسلام، وذلَّ النصرانيَّة، وشرف أهل بيت محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم؟
قالت: كيف أصف لك يا بن رسول الله ما أنت أعلم به منِّي؟!
قال: فإنِّي أريد أن أكرمك؛ فأيَّما أحبُّ إليك: عشرة آلاف درهم، أم بشرى لك فيها شرف الأبد؟
قالت: بل البشرى.
قال عليه السلام: فابشري بولدٍ يملك الدنيا شرقاً وغرباً، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً.
قالت: ممَّن؟
قال عليه السلام: ممَّن خطبك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له من ليلة كذا، من شهر كذا، من سنة كذا بالرومية.
قالت: مِن المسيح، ووصيِّه.
قال: فممَّن زوَّجك المسيح، ووصيُّه؟
قالت: من ابنك أبي محمَّد.
قال: فهل تعرفينه؟
قالت: وهل خلوت ليلةً من زيارته إيِّاي منذ الليلة التِّي أسلمت فيها على يد سيِّدة النِّساء أمّه.
فقال أبو الحسن عليه السلام: يا كافور! ادع لي أختي حكيمة.
فلمَّا دخلت عليه قال عليه السلام لها: ها هية.
فاعتنقتها طويلاً، وسرَّت بها كثيراً؛ فقال لها مولانا: يا بنت رسول الله! أخرجيها إلى منزلك، وعلمِّيها الفرائض والسنن، فإنَّها زوجة أبي محمَّد، وأمّ القائم عليه السلام).(١٣)
وروى المشايخ العظام أولو الاحترام: محمَّد بن يعقوب الكليني، ومحمَّد بن بابويه القمي، والشيخ أبو جعفر الطوسي، والسيِّد المرتضى، وغيرهم من المحدِّثين بأسانيد معتبرة عن السيِّدة حكيمة رضي الله عنها:
(... زارني ابن أخي، فأقبل يحدق النظر إليها، فقلت له: يا سيدي! لعلك هويتها، فأرسلها إليك؟
فقال لها: لا؛ يا عمَّة، ولكني أتعجَّب منها.
فقلت: وما أعجبك منها؟
فقال عليه السلام: سيخرج منها ولد كريم على الله عز وجل الذي يملأ الله به الأرض عدلاً، وقسطاً؛ كما ملئت جوراً، وظلماً.
فقلت: فأرسلها إليك يا سيدي؟
فقال: استأذن في ذلك أبي عليه السلام.
قالت: فلبستُ ثيابي، وأتيت منزل أبي الحسن عليه السلام فسلَّمتُ، وجلستُ؛ فبدأني عليه السلام، وقال: يا حكيمة؛ ابعثي نرجس إلى ابني أبي محمَّد.
قالت: فقلت: يا سيدي؛ على هذا قصدتك على أن استأذنك في ذلك.
فقال لي: يا مباركة؛ إنَّ الله تبارك وتعالى أحبَّ أن يشركك في الأجر، ويجعل لك في الخير نصيباً.
قالت حكيمة: فلم ألبث أن رجعتُ إلى منزلي، وزيَّنتُها، ووهبتها لأبي محمَّد عليه السلام، وجمعتُ بينه وبينها في منزلي، فأقام عندي أياماً ثمَّ مضى إلى والده عليه السلام، ووجَّهت بها معه.
قالت حكيمة: فمضى أبو الحسن عليه السلام، وجلس أبو محمَّد عليه السلام مكان والده، وكنت أزوره كما كنت أزور والده، فجاءتني نرجس يوماً تخلع خفِّي، فقالت: يا مولاتي ناوليني خفَّك.
فقلت: بل أنت سيِّدتي، ومولاتي؛ والله لا أدفع إليك خفِّي لتخلعيه، ولا لتخدميني؛ بل أنا أخدمك على بصري.
فسمع أبو محمَّد عليه السلام ذلك، فقال: جزاك الله يا عمَّة خيراً.
فجلستُ عنده إلى وقت غروب الشمس، فصحتُ بالجارية، وقلتُ: ناوليني ثيابي لأنصرف، فقال عليه السلام: لا، يا عمَّة بيتي الليلة عندنا، فإنَّه سيولد الليلة المولود الكريم على الله عز وجل الذي يحيي الله عز وجل به الأرض بعد موتها.
فقلت: ممَّنْ يا سيدي؛ ولست أرى بنرجس شيئاً من أثر الحمل؟!
فقال: من نرجس، لا من غيرها.
قالت: فوثبتُ إليها، فقلَّبتُها ظهراً لبطن، فلم أر بها أثر حمل؛ فعدتُ إليه عليه السلام فأخبرتُه بما فعلتُ، فتبسَّم، ثمَّ قال لي: إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها الحمل لأنَّ مثَلَها مثل أمّ موسى عليه السلام لم يظهر بها الحمل، ولم يعلم بها أحدٌ إلى وقت ولادتها؛ لأنَّ فرعون كان يشقُّ بطون الحبالى في طلب موسى عليه السلام، وهذا نظير موسى عليه السلام.
وفي رواية أخرى إنَّه عليه السلام قال: (إنَّا معاشر الأوصياء ليس نحمل في البطون، وإنَّما نحمل في الجنوب، ولا نخرج من الأرحام وإنما نخرج من الفخذ الأيمن من أمهاتنا لأنَّنا نور الله الذي لا تناله الدناسات).
قالت حكيمة: فعدت إليها وأخبرتُها بما قال، وسألتُها عن حالها؛ فقالت: يا مولاتي، ما أرى بي شيئاً من هذا.
قالت حكيمة: فلمَّا أن صلَّيت المغرب والعشاء الآخرة أتيت بالمائدة، فأفطرت أنا وسوسن، وبايَّتُها في بيت واحد، فغفوتُ غفوةً ثمَّ استيقظتُ، فلم أزل مفكرةً فيما وعدني أبو محمَّد عليه السلام من أمر وليِّ الله عليه السلام، فقمتُ قبل الوقت الذي كنت أقوم في كل ليلة للصلاة، فصلَّيتُ صلاة الليل حتَّى بلغتّ إلى الوتر، فوَثَبَتْ سوسن فَزِعَةً، وخَرَجَتْ، وأَسْبَغَتْ الوضوء، ثمَّ عادت، فصلَّتْ صلاة الليل، وبَلَغَتْ إلى الوتر، فوقع في قلبي أنَّ الفجر قد قرب؛ فقمتُ لأنظر، فإذا بالفجر الأوّل قد طلع، فتداخل قلبي الشكُّ من وعد أبي محمَّد عليه السلام، فناداني من حجرته: لا تشكِّي، وكأنَّك بالأمر الساعة قد رأيته إن شاء الله تعالى.(١٤)
قالت حكيمة: فلم أزل أرقبها إلى وقت طلوع الفجر وهي نائمة بين يَدَيَ لا تقلب جنباً إلى جنب؛ حتَّى إذا كان آخر الليل وقت طلوع الفجر، وثَبَتْ فَزِعَةً، فضممتُها إلى صدري، وسمَّيتُ عليها، فصاح أبو محمَّد عليه السلام، وقال: اقرئي عليها (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ).
فأقبلتُ أقرأ عليها، وقلت لها: ما حالك؟
قالت: ظهر (بي) الأمر الذي أخبرك به مولاي.
فأقبلت أقرأ عليها كما أمرني، فأجابني الجنين من بطنها يقرأ مثل ما أقرأ، وسلَّم عليَّ.
قالت حكيمة: ففزعتُ، فصاح بي أبو محمَّد عليه السلام: لا تعجبي من أمر الله عز وجل، إنَّ الله تبارك وتعالى ينطقنا بالحكمة صغاراً، ويجعلنا حجَّةً في أرضه كباراً، فلم يستتم الكلام حتَّى غيِّبَتْ عنِّي نرجسٌ، فلم أرها كأنَّه ضُرِبَ بيني وبينها حجابٌ، فعدوتُ نحو أبي محمَّد عليه السلام وأنا صارخة، فقال لي: ارجعي يا عمَّة، فإنَّك ستجدينها في مكانها.
قالت: فرجعتُ فلم ألبث أن كُشِفَ الغطاء الذي كان بيني وبينها، وإذا أنا بها وعليها من أثر النور ما غشى بصري، وإذا أنا بالصبي عليه السلام ساجداً لوجهه جاثياً على ركبتيه، رافعاً سبَّابتيه، وهو يقول: (أشهد أن لا اله إلاّ الله (وحده لا شريك له)، وأنَّ جدِّي محمَّداً رسول الله، وأنَّ أبي أمير المؤمنين، ثمَّ عدَّ إماماً إماماً إلى أن بلغ إلى نفسه).
ثمَّ قال: اللهمَّ أنجز لي ما وعدتني، وأتمم لي أمري، وثبِّت وطأتي، واملأ الأرض بي عدلاً وقسطاً. فصاح بي أبو محمَّد عليه السلام، فقال: يا عمَّة، تناوليه، وهاتيه.
فتناولته (فإذا به مختوناً طاهراً مطهراً، كتب على ذراعه: (جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً))،(١٥) وأتيت به نحوه؛ فلمَّا مثلتُ بين يدي أبيه وهو على يدي سلَّم على أبيه، فتناوله الحسن عليه السلام منِّي، فتناوله وأخرج لسانه، فمسحه على عينيه ففتحها، ثمَّ أدخله في فيه فحنَّكه، ثمَّ أدخله في أذنيه، وأجلسه في راحته اليسرى، فاستوى وليُّ الله جالساً، فمسح يده على رأسه، وقال له: يا بنيَّ انطق بقدرة الله.
فاستعاذ وليُّ الله عليه السلام من الشيطان الرجيم، واستفتح: بسم الله الرحمن الرحيم (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَْرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ).(١٦)
وصلَّى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى أمير المؤمنين، والأئمّة عليهم السلام واحداً واحداً حتَّى انتهى إلى أبيه.(١٧)
والطير ترفرف على رأسه، فصاح بطيرٍ منها، فقال له: احمله، وأحفظه، وردَّه إلينا في كلِّ أربعين يوماً.
فتناوله الطير، وطار به في جوِّ السماء، وأتبعه سائر الطير، فسمعت أبا محمَّد عليه السلام يقول: استودعك الله الذي أودعته أمُّ موسى، موسى.
فبكت نرجس، فقال لها: اسكتي؛ فإنَّ الرِّضاع محرَّم عليه إلاّ من ثدييك، وسيعاد إليك كما ردَّ موسى إلى أمِّه، وذلك قول الله عز وجل: (فَرَدَدْناهُ إِلى أمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ).
قالت حكيمة: فقلت: وما هذا الطير؟
قال: هذا روح القدس الموَّكل بالأئمّة عليهم السلام، يوَّفقهم، ويسددَّهم، ويربيهم بالعلم.
قالت حكيمة: فلمَّا كان بعد أربعين يوماً رُدَّ الغلام، ووجَّه إليَّ ابن أخي عليه السلام، فدعاني؛ فدخلتُ عليه، فإذا أنا بالصبي متحرِّك يمشي بين يديه، فقلت: يا سيدي هذا ابن سنتين؟!
فتبسَّم عليه السلام ثمَّ قال: إنَّ أولاد الأنبياء، والأوصياء إذا كانوا أئمّةً ينشؤون بخلاف ما ينشأ غيرهم، وإنَّ الصبيَّ منَّا إذا كان أتى عليه شهرٌ كان كمن أتى عليه سنةٌ، وإنَّ الصبيَّ منَّا ليتكلَّم في بطن أمِّه، ويقرأ القرآن، ويعبد ربَّه عز وجل، وعند الرضاع تطيعه الملائكة، وتنزل عليه صباحاً ومساءاً.
قالت حكيمة: فلم أزل أرى ذلك الصبي في كل أربعين يوماً إلى أن رأيته رجلاً قبل مضيِّ أبي محمَّد عليه السلام بأيَّام قلائل فلم أعرفه، فقلت لابن أخي عليه السلام: مَنْ هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه؟
فقال لي: هذا ابن نرجس، وهذا خليفتي من بعدي، وعن قليلٍ تفقدوني، فاسمعي له وأطيعي.
قالت حكيمة: فمضى أبو محمَّد عليه السلام بعد ذلك بأيَّامٍ قلائلٍ، وافترق الناس كما ترى، وواللهِ إنِّي لأراه صباحاً ومساءاً، وإنَّه لينبئني عمَّا تسألون عنه فأخبركم، وواللهِ إنَّي لأريد أن أسأله عن الشيء فيبدأني به).(١٨)
وقد روي في كتب الشيعة المعتبرة أكثر من ألف حديث في ولادة الإمام المهدي، وغيبته عليه السلام، وأنَّه الإمام الثاني عشر، وأنَّه ابن الإمام الحسن العسكري عليه السلام؛ وكانت أكثر تلك الأحاديث مقرونةً بالمعجزة لأنَّها كانت قد أخبرت بتعاقب الأئمّة عليهم السلام إلى الإمام الثاني عشر عليه السلام، كما أنَّها كانت قد أخبرت عن خفاء ولادته عليه السلام، وأنَّ له غيبتين ثانيتهما أطول من الأولى، وأنَّه عليه السلام سوف يولد سرَّاً؛ كما أنَّها كانت قد أخبرت عن جميع خصوصياته، وأنَّ كل الأمور سوف تتحقق.
مع أنَّ هذه الكتب التِّي اشتملت على هذه الأخبار قديمة؛ وهذا بنفسه يفيد العلم، بغض النظر عن تواتر هذه الأخبار من جهات أخرى.
هذا بالإضافة إلى إطلاع جمع كثير على ولادته عليه السلام، ورؤية جمع غفير من ثقات الأصحاب جنابه عليه السلام، وكان ذلك من يوم مولده الشريف وحتَّى الغيبة الكبرى.
وهذه كلُّها مذكورة في الكتب المعتبرة عند العامة والخاصَّة، وسوف تذكر فيما بعد.
وقد ثبِتت ولادته عليه السلام مع أكثر الخصوصيات الموجودة في كتب الشيعة، في كتب المخالفين مثل الفصول المهمَّة، ومطالب السَّئوول، وشواهد النبوَّة.
فإذنْ فكما أنَّ ولادة آبائه عليهم السلام معلومة، فكذلك فإنَّ ولادته معلومة أيضاً.
وعليه فسوف لا يفيد المخالفين استبعادهم لولادته عليه السلام بسبب طول غيبته عليه السلام، وخفاء ولادته عليه السلام، وطول عمره عليه السلام؛ بعد ثبوتها بالأدلة القطعية؛ وأما نفيهم للولادة لمجرَّد الاستبعاد فإنَّه محض سفاهة.
ثمَّ ما وجه الاستبعاد مع أنَّ خلفاء الجور كانوا قد سمعوا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة صلوات الله عليهم أجمعين كانوا قد أخبروا: أنَّ الإمام الثاني عشر سوف يظهر ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وإنَّه سوف يزيل خلفاء الجور والسلاطين الظلمة، وأنَّ الشيعة سوف يتعلقون بانتظار وجوده وظهوره، وإنَّ أولئك الظلمة سوف يسعون لإطفاء هذا النور؛ ولذلك فقد حبسوا الإمام عليّ النقيِّ، والإمام الحسن العسكري صلوات الله عليهم أجمعين في سرَّ من رأى، وكانوا يتتبعونه ويبحثون عن حمله، وولادته عليه السلام لأجل إزهاقه؛ فأظهر الحقُّ تعالى كامل قدرته، فستر حمل أمِّه، وأخفى ولادته عليه السلام عن الظَلَمَة، وخلفاء الجور، وأبعده بحفظه، وحمايته عن شرِّ الظالمين.
ومع ذلك؛ فإنَّه وكما جعل ولادته عليه السلام سرّاً خفيَّاً، ولكنَّه كان أظهرها بالآثار والأخبار للشيعة والموالين والمخالفين فكانت واضحةً كالشمس في رابعة النهار لتتمَّ الحجة على جميع العالمين.
وقد اطلع جمع كثير من المعروفين بأسمائهم على ولادته المباركة، من قبيل السيِّدة حكيمة، والقابلة التي كانت جارتهم في سرَّ من رأى.
وكذلك فقد التقى به عليه السلام جماعات كثيرة من حين ولادته إلى وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام.
وقد ظهرت المعجزات الكثيرة التي تجاوزت حدِّ العدِّ والإحصاء عند ولادة أمّه السيِّدة نرجس عليها السلام ولدها الإمام عليه السلام.
وكان تأريخ مولده الشريف عليه السلام على ما هو المشهور عند الخاصَّة والعامَّة: في سنة مائتين وخمسة وخمسين للهجرة.
وكانت وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام _ على المشهور _ في سنة مائتين وستّين للهجرة.
فكان له عليه السلام حين وفاة أبيه عليه السلام _ على القول المشهور _ خمس سنين.
ومع ذلك فقد ظهرت منه عليه السلام المعجزات وغرائب الأحوال.
المصادر : الغيبة ,كمال الدين واتمام النعم