حملت يراع التواريخ، وتخطت حدود الزمان؛ بحثاً عن سيدة الصبر؛ لتجري لها لقاء صحفياً، واذا بها تلتقي وجهاً لوجه مع اكثر من امرأة، نظرت الصحفية اليهن، دققت في الامر: من منكن زينب؟، وإذا بالجميع يجبنها: انا، يرن في رأسها صوت أبيها:ـ هي زينب بأمر رب العالمين.. هكذا شاء الله أن يسميها زينب، ولهذا اضطرت لتعيد السؤال : من منكن هي مولاتي زينب؟ وإذا بصوت الطف ينهض في نبرات امرأة:
انا زينب كل الأزمان.. في كل جيل ستريني..
صابرة الجراح، وصلاتي بذرة الدين والحياة، وصمت صبري عاصفة تهز مرابع الدهور...، نعم، سأطلع في كل زمان، اتحدى بهذا الصبر كل الطغاة.
أجز الخوف من قواميس الناهضين، وكل مفردة عاجزة، انا عقيلة بني هاشم، انا صاحبة الجرح الساطع بالزهو والكرامة واليقين، حينها سألت الصحفية:ـ اريد ان اعرف كيف استقبلت خبر الرحيل؟ واذا بمجموعة نسوة يحطن بها قالت احداهن:ـ لزينب قلب تستنهضه الجمرات... حين أدركت (عليها السلام) عزم الأخ اللاهب في ايماءات الرحيل، خافت، صرخت الصحفية حينها بدهشة
:ـ خافت؟ أزينب تخاف؟ فأجابتها امرأة أخرى:ـ نعم، هي خافت أن يمنعها الزوج من الرحيل، لذلك جاءت وقفت أمام زوجها عبد الله بن جعفر الطيار بكل وقار، وهي تقول له: يا ابن عم، أخي الحسين (عليه السلام) قد عزم على المسير.. بعد برهة صمت وقورة قال لها عبد الله متسائلاً:ـ الى أين؟
أجابته مولاتي زينب:ــ الى العراق.. وانت تعلم سطوة المعزة التي لا تطيق بي الصبر دونه، ولا يحق لي المسير بلا استئذان، جئت إليك.. طالبة الإذن، وإلا فامتثال مطيع، وثق ستكون حينها لا حياة دونه..
ولاشيء يسكت هذا الانين من بعده سوى الموت يا ابن العم، هو يدري أن رفضه يعني الموت، عقبت امرأة،:ـ في ضمن الشرط الوارد في عقد الزواج، وصية امير المؤمنين (عليه السلام) لا تمنع مشوار الرحيل.
إذا جاءتك في نواحها شجو كربلاء، فإنها قد أعدت من رب العرش لنصرة الحسين، تروي النسوة أن عبد الله بن جعفر وقف أمامها بوقار وهو يقول:ـ يا بنت المرتضى، عقيلة بني هاشم المجد، هوني عليك فاني لا أجهل ما ترومين اليه، ثم نادى أولاده: قم يا عون ويا محمد مع أمكما للمسير لنصرة سيدي الحسين (عليه السلام) عسى أن تحظيا بشهادة نصرة عجز عنها الكثيرون، وأوصيكما بالجهاد دون سيد هذا البيت.
تقول الصحفية: يبدو أن الامر تأزم، وأنا أعلم أنها ومنذ المشوار الأول لملتقى المسير، عاشرت المصائب لوعة لوعة، وهي ابنة علي قائد الصبر في العالمين، وأنا أرى من الجميل أن نعرش على سفوح الحزن آهة اهة..؛ كي نلم جراح الفاجعة في بوتقة الضمير.. قالت لي زينب (عليها السلام) في دفتر الحزن: ستبرق لتلك النهايات بدايات جديدة تحمل مخاضات التواريخ.
سألت الصحفية حينها: وهذا الصمت سيدتي؟
أجابت:ـ سيهدر يوماً بأعظم حكمة.. هي نبوءة جدي رسول الله (ص)، وما يحدث اليوم هو الدليل بأن حَدَقات الامامة ظل نبي..
صاحت الصحفية:ـ الله.. حدقات الامامة ظل نبي..
قالت زينب (عليها السلام) للصحفية قبل أن تختم اللقاء:ـ ستنهض رايات الحسين (عليه السلام) والتراب أزكى الشهود، يشهد بأن كل ذرة فيه ارتجفت عند همس الجراح التي كانت شهادة دم يصلي.. وعهد لا يغادر.
النحور.. جاء في نبوءة النبي (ص) الطهر محمد...
أن دم المنحور في كربلاء هو عهد يسري في قافلة اليقين، ويزكي الدين، ويبعد عن أهل البيت معاقل الخمول.. عهد نبي وتوقيع وصي نبيل، فاعلمي منذ تفتحت جفون الشهادة، كان هودج الايمان ينعم في قوافل الزهو باسم الحسين... ستسري بأهداب التواريخ نوراً يطل بكربلاء رايات أمة، ترفع بكفوف الولاء رايات الحسين..