بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى في سورة الحجر: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلاَّ مَنْ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ)، أورد المفسرون أنواعا من التوجيه لتصوير استراق السمع من لشياطين و رميهم بالشهب و هي مبنية على ما يسبق إلى الذهن من ظاهر الآيات و الأخبار أن هناك أفلاكا محيطة بالأرض تسكنها جماعات الملائكة و لها أبواب لا يلج فيها شيء إلا منها و أن في السماء الأولى جمعا من الملائكة بأيديهم الشهب يرصدون المسترقين للسمع من الشياطين فيقذفونهم بالشهب.

و قد اتضح اليوم اتضاح عيان بطلان هذه الآراء و يتفرع على ذلك بطلان الوجوه التي أوردوها في تفسير الشهب و هي وجوه كثيرة أودعوها في المطولات كالتفسير الكبير، للرازي و روح المعاني، للآلوسي و غيرهما.
و يحتمل - و الله العالم أن هذه البيانات في كلامه تعالى من قبيل الأمثال المضروبة تصور بها الحقائق الخارجة عن الحس في صورة المحسوس لتقريبها من الحس و هو القائل عز و جل: "و تلك الأمثال نضربها للناس و ما يعقلها إلا العالمون:" العنكبوت: - 43.
و هو كثير في كلامه تعالى و منه العرش و الكرسي و اللوح و الكتاب و قد تقدمت الإشارة إليها و سيجيء بعض منها.
و على هذا يكون المراد من السماء التي تسكنها الملائكة عالما ملكوتيا ذا أفق أعلى نسبته إلى هذا العالم المشهود نسبة السماء المحسوسة بأجرامها إلى الأرض، و المراد باقتراب الشياطين من السماء و استراقهم السمع و قذفهم بالشهب اقترابهم من عالم الملائكة للاطلاع على أسرار الخلقة و الحوادث المستقبلة و رميهم بما لا يطيقونه من نور الملكوت، أو كرتهم على الحق لتلبيسه و رمي الملائكة إياهم بالحق الذي يبطل أباطيلهم.
و إيراده تعالى قصة استراق الشياطين للسمع و رميهم بالشهب عقيب الإقسام بملائكة الوحي و حفظهم إياه عن مداخلة الشياطين لا يخلو من تأييد لما ذكرناه و الله أعلم.