من الصعب على الإنسان أن يعيش غريباً في وسط أحبابه وأهله..

الغربة: أمواج تلاطمت على صخور الجحود، وترنحت على شفا جرف الآلام، عزلة اختيارية تفقدك الشعور بالموجودات،

وجدار عالٍ من الصعب اختراقه.

كان هذا حال فاطمة وزوجها أيمن الذي كان لا يتواجد في بيته إلّا في ساعات متأخرة من الليل، يعود مرهقاً لينام

ويصحو باكراً للذهاب إلى عمله، تحتار فاطمة في كيفية التواصل معه، فوقته لا يكفي لتحدثه عن كلّ ما يجري في بيته


أثناء غيابه أو تبثه ما يجول في خاطرها أو تعيش معه لحظات صفاء هادئة،

كان هذا الوضع يؤرقها وتعاني من هذا الإهمال من قِبله، ومن الوحدة التي تُشعِرها بالغربة،

وعلى الرغم من أنها كلمته في هذا الموضوع وأوضحت له ضرورة أن يخصّص إليها وقتاً من حياته

إلّا إنه لم يصغِ إليها بذريعة أن عمله أولى، وأنه يأخذ منه كلّ وقته، وأنه غير مقصّر معها من الناحية المادية.. إلخ.

تعرّض أيمن إلى أزمة صحية بسبب الإجهاد، ونُقل على إثرها إلى المشفى، هُرِعت فاطمة إليه

وحرصت على أن ترعاه كالأم الرؤوم، ولم تفارقه يوماً واحداً، تسهر على راحته، وتخفف عنه آلامه،

ومع أن الظرف كان غير مفرح إلّا أنّ فاطمة وأيمن شعرا بالقرب الروحي أكثر من ذي قبل بخاصة أنّ الإنسان

يحتاج إلى أقرب الناس إليه في ظلّ أزماته، وجد أيمن في فاطمة حنان الأم وحبّ الزوجة وحرص الأخت ووفاء الصديقة،

وشعر بأنه يراها من جديد ويكتشف أشياء كانت غائبة عن عينيه، شعر بالفخر حينما كانت تستقبل أقرباءه وأهله

الذين لم يرهم منذ مدة طويلة، وكانت مدة رقوده بالمشفى فرصة لإعادة صلة الرحم التي تناساها في خضم حياته

التي كرسها لعمله فقط، وفي يوم خروجه من المشفى قرّر أن يرتب حياته من جديد، وأن يضع جدولاً لكلّ شيء،

ويخصّص وقتاً لعمله ووقتاً لزوجته وأهله وأقربائه وأصدقائه، فقد كان ابتلاء المرض فرصة لمراجعة النفس،

وإعادة ترتيب الأوراق من جديد، ليجعل لهم حيّزاً في حياته.