:: الوّصَايَا التَربويّةُ والأخلاقيّةُ الأخيرةُ لأميرِ المُؤمنين , عَليه السَلامُ, في كتابِه للحَارِثِ الهَمَدَاني ::

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: :::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: :::::::::

: يُقَدّمُ الإمامُ عليٌّ , عليه السلامُ ,لنا مَجموعةً قيميّةً مِن وصاياه الأخيرة ,

والتي تناولتْ مجالاتٍ مُهمةً في حياةِ الإنسانِ والمُجتمعِ , حيثُ يقولُ ::

(وأَطِعِ اللَّه فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ - فَإِنَّ طَاعَةَ اللَّه فَاضِلَةٌ عَلَى مَا سِوَاهَا –

وخَادِعْ نَفْسَكَ فِي الْعِبَادَةِ وارْفُقْ بِهَا ولَا تَقْهَرْهَا - وخُذْ عَفْوَهَا ونَشَاطَهَا –

إِلَّا مَا كَانَ مَكْتُوباً عَلَيْكَ مِنَ الْفَرِيضَةِ - فَإِنَّه لَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا وتَعَاهُدِهَا عِنْدَ مَحَلِّهَا –

وإِيَّاكَ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ الْمَوْتُ - وأَنْتَ آبِقٌ مِنْ رَبِّكَ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا –

وإِيَّاكَ ومُصَاحَبَةَ الْفُسَّاقِ - فَإِنَّ الشَّرَّ بِالشَّرِّ مُلْحَقٌ - ووَقِّرِ اللَّه وأَحْبِبْ أَحِبَّاءَه - واحْذَرِ الْغَضَبَ فَإِنَّه جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِيسَ – والسَّلَامُ):

: نَهجُ البلاغةِ , ت ,د, صبحي الصالح, ص460 ,:



:: الوصيّةُ الأولى:: (وأَطِعِ اللَّه فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ - فَإِنَّ طَاعَةَ اللَّه فَاضِلَةٌ عَلَى مَا سِوَاهَا –) :

:: إنَّ الإمامَ , هنا يأمرُ بطاعةِ اللهِ تعالى في جميع مَفاصلِ حَياةِ الإنسانِ العباديةِ والمُعاملاتيّة والاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والفكريةِ وغيرها ,:::

: بمعنى أنْ تكونَ مُنقاداً للهِ عَزّ وجّل في جميعِ مَا أمرَك به ونهاكَ عنه ,

وما جاءتْ به مَناهجُ الإسلامِ العزيزِ , لا أنْ تُطيعَ وتُؤمنَ ببعضٍ دون بعضٍ آخرٍ :

وبعضُ الناس هكذا يفعلُ ويصنعُ يُطيعُ ربّه في العباداتِ ولا يُطيعه في المعاملات والشؤون الاجتماعية , وخاصة فيما يتعلقُ بالأسرةِ :

وإنّما يتبعُ الأفكارَ الوضعيةَ والمَزاجَ الشخصي ,

: والإمامُ عَليٌّ , عليه السلامُ , يُريدُ منا أنْ نُطيعَ اللهَ تعالى في جميعِ الأمورِ , عِبادةً ومُعاملةً , وتجارةً وأسرةً وغيرها:

ويُعلِّلُ ذ لك - فَإِنَّ طَاعَةَ اللَّه فَاضِلَةٌ عَلَى مَا سِوَاهَا – وطاعةُ اللهِ هي السبيلُ الوحيدُ للنجاةِ والفوز والسعادة:



: الوصيةُ الثانيةُ ::- وخَادِعْ نَفْسَكَ فِي الْعِبَادَةِ وارْفُقْ بِهَا ولَا تَقْهَرْهَا - وخُذْ عَفْوَهَا ونَشَاطَهَا –إِلَّا مَا كَانَ مَكْتُوباً عَلَيْكَ مِنَ الْفَرِيضَةِ - فَإِنَّه لَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا وتَعَاهُدِهَا عِنْدَ مَحَلِّهَا –::

:: وهنا يُبين أميرُ المُؤمنين , عليه السلامُ , كيفيةَ التعاملِ مع النفسِ التي لا تلتزمُ بالعبادةِ , أو تركنُ إلى الراحةِ أو السكونِ , بأنْ علينا أنْ نُرَغبّها ولو بالمُجَاهَدَةِ والتشويقِ والجَذبِ والتذكيرِ ,:

:: إنَّ النفسَ الإنسانيةَ مِن طبيعتها تَميلُ للراحةِ وعَدمِ تَحمّلِ المَشقةِ ,

والعبادةُ فيها مَشقةٌ مِمّا يجعلها تنفرُ فيما لولم تُجاهدُ ,ولكي تتغلب على طبعها ,ينبغي اتّباعُ أسلوبٍ أشبه بالمُخَادَعَةِ معها وبما يلي:::

:1:- تذكيرها بالثوابِ العظيم للعباداتِ من الرزقِ ودفعِ ميتةِ السوء ,

والشعور بالأمانِ ,والفوز بالأخرةِ مصيراً وجزاءً ::

:2:- تهديدُها بالوعيدِ والعقابِ الإلهي المَحتومِ :

:3: حَملُها على النَظَرِ إلى الآخرين مِن عِبَادِ اللهِ الصَالحين ومُحاولةِ التَشبُه بهم :

:4: أسلوبُ اللومِ والتقريعِ للنفسِ , وتذكيرها بأنَّ العصيانَ سوف يجعلها تخسرُ الثوابَ والجنانَ والنعيم الدائم::

:: وينبغي أنْ يكون التعاملُ مع النفسِ برفقٍ - وارْفُقْ بِهَا ولَا تَقْهَرْهَا –

لا بإجبارٍ , وذلك لأنَّ اللهَ تعالى يُريدُ مِن العبادِ أنْ يطيعوه بشوقٍ وحُبٍّ وإرادةٍ ,:

: لذا علينا أنْ نستثمرَ أوقاتِ الفراغِ وحَالَ وجودِ الإقبالِ على اللهِ تعالى قلبا ونفساً ,بالطاعةِ فإنّها فرصةٌ وقد لا تعودُ ابداً :

: وهنا ينبغي الالتفاتُ إلى أنَّ بعض الناسِ قد يكونُ دَخَلَ الإيمانَ توّاً ,

فليس مِن الصحيحِ دَفعه للعباداتِ دون شوقٍ ورغبةٍ ,مِمّا قد يتسببُ ذلك بنفرته أو ارجاعه إلى ما كان عليه:

ففي الروايةِ الشريفةِ : عن أبي جعفر , الإمام مُحمّد الباقر , عليه السلامُ ,قال : قال : رسولُ اللهِ , صلى الله عليه وآله , : إنَّ هذا الدينَ مَتينٌ فأوغلوا فيه برفقٍ , ولا تُكَرّهوا عبادةَ اللهِ إلى عبادِ اللهِ ، فتكونوا كالراكبِ المُنبتِ , الذي لا سفراً قَطعَ ولا ظهراً أبقى )

: الكافي , الكليني ,ج2, ص86,.:

وروي أنَّ : (النبي الأكرم :, صلى الله عليه وآله ,, قالقَ: إنَّ للقلوب إقبالاً وإدباراً فإذا أقبلتْ فتنفلوا وإذا أدبرتْ فعليكم بالفريضةِ .)

: الكافي , الكليني ,ج3, ص454,.:



:: الوصيّةُ الثالثَةُ :: - وإِيَّاكَ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ الْمَوْتُ - وأَنْتَ آبِقٌ مِنْ رَبِّكَ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا –::

::من المعلومِ تجريبيّاً ودينيّاً أنَّ مَلَكَ المَوتِ ,عليه السلامُ , لا يَستأذنُ أحَدَاً حينما يُريدُ أنْ يقبضَ روحَه , بل لا نَعلمُ متى ينزلُ ويقبضُ أرواحنا أبداَ :

وهنا قد يكونُ الإنسانُ في حالِ معصيةٍ أو غفلةٍ أو طلبِ دنيا أو متغافلٍ عن الموتِ وينزلُ به ,مما يستدعي ذلك الحذرَ والتذكرَ :

وعن أميرِ المُؤمنين , عليه السلامُ, أنّه قالَ :

(لو رأى العبدُ أجلَه وسرعته إليه لأبغضَ العملَ مِن طلبِ الدنيا .)

: الكافي , الكُليني ,ج3, ص 259,.:

:: إنّنا نركضُ للموتِ والموتُ يركضُ إلينا ::

: الوصيّةُ الرابعةُ ::_ وإِيَّاكَ ومُصَاحَبَةَ الْفُسَّاقِ - فَإِنَّ الشَّرَّ بِالشَّرِّ مُلْحَقٌ –:

:إنَّ الفاسقَ هو الذي لا يُبالي بتركِ واجبٍ أو فِعلِ حرامٍ ومعصيةٍ ,وبحسبِ العقلِ والتجربةِ له تأثيرٌ في المصاحبةِ على الآخرين , حيث يسري شرّه لصاحبه ,:

: وإنَّ كثيراً مِن الشبابِ والشاباتِ قد انحرفوا بفعلِ مُصاحبةِ الفُسّاقِ ,

, فهم كالمرضِ المُعدِي ينبغي الحَذَرُ منه:

:: وربما إذا كنتَ مع الفاسقِ صُحبَةً وقد حانَ مَوعدُ نزولِ العذابِ والعقابِ عليه فقد يشملك العذابُ والعقابُ بذلك ويَصيبُك شرّه :

: وهنا نوجّه الآباءَ والأمهاتِ بضرورةِ متابعةِ أبنائهم والاهتمام بهم,

كما يهتمون بمستواهم العلمي ,انظروا إليهم من يُصاحبون ؟

ومع مَن يخرجون ؟ مَن أصدقائهم : المُتدينُ , أم الفاسقُ ؟



: الوصيّةُ الخامسةُ : - ووَقِّرِ اللَّه وأَحْبِبْ أَحِبَّاءَه - واحْذَرِ الْغَضَبَ فَإِنَّه جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِيسَ – والسَّلَامُ:-:

: التوقيرُ هو التعظيمُ للهِ تعالى في حالِ مخاطبته أو ذكره أو التحدث عنه و وينبغي مُراعاةُ الأدبِ معه , لا أنْ نحلفَ باسمِه عَلى كُلِّ شَيءٍ ,:

: وكذلك ينبغي توقيرُ أوليائه وحبّهم فيه , وإنَّ القلبَ إذا كان فيه خيرٌ فهو يحبّ اللهَ وأوليائه وبالعكس إذا ما كان يبغضهم فلا خيرَ فيه :

(عن أبي جعفر , الإمامِ مُحمّد الباقر, عليه السلامُ, قال :إذا أردتَ أنْ تعلمَ أنَّ فيك خيراً فانظر إلى قلبك فإنْ كان يُحبُ أهلَ طاعة اللهِ ويبغضُ أهلَ مَعصيةِ اللهِ ، ففيك خيرٌ , واللهُ يُحبك ، وإنْ كان يبغضُ أهلَ طاعةِ اللهِ ويُحبُّ أهلَ مَعصيةِ اللهِ ، ففيك شرٌّ واللهُ يُبغضك ، والمَرءُ مع مَن أحبَّ ):

: المَحاسِنُ : البَرقِي,ج1,ص263,:



_________________________________________________

:: مَضمونُ خطبةِ الجُمعَةِ الأولى ,والتي ألقاهَا سَماحةُ الشيخ عبد المَهدِي الكربَلائي , دَامَ عِزّه, الوكيل الشرعي
للمَرجعيّةِ الدّينيّةِ الشَريفةِ في الحَرَمِ الحُسَيني المُقدّس ,اليومَ , الثاني من ذي الحجّةِ الحَرَامِ ,1438 هجري,


, الخامس والعشرين مِن آب ,2017 م.:::

________________________________________________



- تَقريرُ وتَخريجُ – مُرْتَضَى عَلِي الحِلّي – النَجَفُ الأشْرَفُ – بتَصَرفٍ مني :



:: كَتَبْنَا بقَصدِ القُربَةِ للهِ تعالى , رَاجينَ القَبولَ والنَفعَ العَامَ ::

_______________________________________________