بين عظمة القرآن وعظمة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم
تفيق البشرية بين الحين والآخر على بروز شخصيّة معيّنة وسط المجتمعات البشرية، تمتلك من الصفات والمواهب ما يجعلها محلّ الإعجاب والإلهام في عيون الناس. كما أنّ التاريخ البشري حافل بالأفكار والنظريات الجديدة والخلابة الباهرة للعقول. لكنّ الملفت للنظر أنّ مثل هؤلاء العظماء أصحاب النظريات والابتكارات سرعان ما تغمرهم أمواج النسيان عندما يأتي مَن هم أعظم منهم وأكثر نبوغاً وابتكاراً وعبقريةً، وهكذا تبقى العظمة مسألة نسبية تتفاوت فيها نتاجات العظماء.
ومع النمو البشري وتطوّر العقل الإنساني بمرور الزمن، واختلاف المحيط والبيئة تندثر كثير من الأفكار، وتعطّل الكثير من الممارسات التي كانت تسود فترات زمانية طويلة، وسرعان ما تتلاشى عظمة الأفكار مع اكتشاف الإنسان لأفكارٍ وآراء جديدة متطوّرة تناسب طبيعة حياته الاجتماعية وبيئته الجديدة.
وهذا إن فسّر لنا شيئاً فإنّه يفسّر عدم الخلود لا في نتاجات العقل ولا أفكاره. لكنّ الحديث عن شخصيّة النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ تختلف عمّا ذكرنا؛ لأنّنا في الوقت الذي نتكلّم فيه عن عظمة النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ونظرياته وابتكاراته في صنع الحياة الاجتماعية وتطويرها روحياً ومادّياً، لابدّ من الحديث عن منهج القرآن الكريم وتعاليمه في رسم شخصية المسلم وبناء الإنسان الكامل كما يعبّر الفلاسفة؛ لأنّ شخصيّة النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ هي الترجمة الواقعية والعملية لما جاء به القرآن من أسس تربوية وقيم أخلاقية وإنسانية خالدة إذا ما طبّقت بموازينها الصحيحة التي رسمها الباري تعالى لإسعاد البشرية وتكاملها. فالنبي الأكرم هو صنيعة التربية والإعداد الإلهي الذي جاء به القرآن والوحي الربّاني، وأنّ ما يصدر منه من قول أو فعل هو دستور كامل ينقل المجتمع من حالة الفوضي والتشتّت والممارسات اللامسؤولة إلى حالة الانضباط والتوحّد والممارسات المسؤولة التي يستحق الثواب عليها.
ومن عظمة كتاب الله وكبير شأنه وعلوّ منزلته ننتقل إلى شخصيّة النبي الأكرم المبعوث بهذا الكتاب معلّماً ومربّياً وقائداً نحو الكمال لكلّ ولد آدم.
ولا يسعنا ونحن نتحدث عن سيّد المرسلين إلاّ أن نعطف الحديث نحو تكوين هذه النفس الطاهرة والروح العظيمة التي تجاوزت كلّ حدود النقص، وانطلقت باتجاه الكمال المطلق والسموّ والعروج نحو الذات المقدّسة.
فما كان محمد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ إلاّ آية الله العظمى وبرهانه الساطع في معالي الأخلاق التي امتاز بها على سائر النبيين والمرسلين، وبالطبع والخلق الرفيع على سائر بني البشر أجمعين.
إنّها الأخلاق التي غيّرت مجرى التاريخ، وأحدثت أعظم تحوّل اجتماعي وإنساني في تاريخ الرسالات الإلهية في الحياة الفكرية والعقدية والاجتماعية.
وتلك هي معجزة الله الكبرى تمثّلت في هذا النبي العظيم، فلم يُعزَ ذلك التغيير إلى البعد الفكري، أو البعد الثوري، أو البعد السياسي، أو البعد العلمي، أو غير ذلك من الأبعاد التي من شأنها أن تغيّر ـ ولو لفترة وجيزة ـ مجرى الحياة الإنسانية، بل كانت حركة التغيير على خلاف كلّ حركات الذين كان لهم شأن في التاريخ وفي صناعة الحضارات الإنسانية، إذ لم يكن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ فيلسوفاً أحدث ثورةً في عالم الأفكار، ولم يكن شاعراً حرّك العواطف وألهب الوجدان بكلمات عذبة تجذب النفوس، ولم يكن قائد ثورة اجتماعية أو سياسية انضوت تحت قيادته مجموعة أو شريحة من الناس، بل إنّه النبي الأميّ الإنسان المملوء بالعاطفة والحبّ والرأفة والرحمة والأمانة والخلق العظيم.
إنّه النبي الذي لم يتنازل عن مبادئه ودعوته المقدّسة أمام عتاة قريش والجبابرة من رجالها وعبّاد أوثانها، إنّه الإنسان الذي حقّق كلّ شيء ليكون عبداً شكوراً لله جلّ وعلاء.
لذا يحدّثنا القرآن الكريم عن طبيعة هذا الرسول وخلقه ورقة قلبه ورسالته العظيمة قائلاً في مواضع عديدة:
1ـ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
2ـ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ الله لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
3ـ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾.
ومن هذا البعد الإنساني العظيم، والنفس الرقيقة المليئة بحبّ الخير والحرص على هداية الإنسان وإنقاذه من الضلال، تحمّل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ كلّ الآلام والمحن، وأنقذ أمّة بل عالماً بأجمعه من الانحطاط والتخلّف وعبادة الأوثان والأصنام، وبصّرهم في شؤون حياتهم الاجتماعية والعقدية.
وهكذا تجلّت الرسالة الإلهية في سلوك النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ومعالي أخلاقه وعظيم سجاياه، فقد كان أحبّ شيء إليه أن يوصف بالعبودية لله، وكان بعيداً كلّ البعد عن الإنانية والكبرياء على خلق الله، وكان من جملة ما اتصف به من الصفات الفاضلة هي نكران الذات، فقد وفد عليه شخص فأخذته هيبة النبي واختطف الرعب ألوانه، فرأى النبي أثر ذلك في مُحيّاه، فنهره وقال له: «هون عليك، فإنّما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد»
وهنا حقّ أن يقال: إنّ لكلّ عظيم جانباً من المقاييس تقاس بها عظمته، أمّا عظمة محمّد فتقاس بها جميعاً؛ لأنّه جمع أسباب العظمة، فكان عظيم المزايا، عظيم الأعمال، عظيم الآثار.
ثم إنّ العظماء العاديين يكونون عظماء في أقوامهم أو مجتمعاتهم ومحيطهم ولا تتعدّى عظمتهم إلى أبعد من ذلك، بينما كانت عظمة النبي عالمية في مداها شاملة في موضوعاتها.
الحلم والإعراض عن الجاهلين مصداق العظمة
لقد كان ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ أحلم الناس، صبوراً على أذى الجاهلية، لا يقابل مَن أساء بإساته لا لضعف به أو خوف ـ حاشاه من ذلك ـ وإنّما هي آدابه وأخلاقه وحلمه الذي ساد به على أبناء البشر، وملك به قلوب المؤمنين من أتباعه.
جاءه ذو الخويصرة ـ وهو رجل من بني تميم ـ وهو يقسّم الأموال بين المسلمين، فقال له: اعدل يا رسول الله. فأجابه: «ويلك، فمن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل»
ولقد عاش رسول الله بين أناس قد ملئوا حقداً وبغضاً وضغينة عليه، لكنّه أحمد الناس صفحاً وعفواً وتجاوزاً.
ويتجلى معنى الحلم في شخصية رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ تأكيداً للبشرية على عظيم خلقه، ما واجهه به أعداءه حينما هزمهم بعد رحلة جهادية وهجرة طويلة من المعاناة والآلام التي قاساها في سبيل إعلاء راية رسالته التي قدّم من أجلها التضحيات، فإنّه بعد رجوعه منتصراً وقف في مكّة ـ موطن الآباء والأجداد ـ وقد ظفر بأعدائه وخصومه، ليعلن بذلك انتصار القيم الإلهية السامية، وسحق الجاهلية والعصبية إلى الأبد، قال لهم وقد أخذتهم الرعدة واستملك قلوبهم الخوف والوجل، وقد استقربوا الانتقام وتوقّعوه: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»
النبي القدوة
إنّ إدراكنا لعظمة القرآن الكريم ولأهمّيته في حياتنا لا ينفك عن مسألة التطبيق والانصياع لأوامره وتعاليمه المقدّسة: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (.
ولا محيص لنا إذا أردنا التكامل في مسيرة تطهير الذات وتزكية النفس وتنوير العقول بالفكر الصحيح إلاّ بالتفاعل مع كتاب الله عزّ وجلّ، والاستشفاء به من كلّ أمراضنا الروحية والاجتماعية، فهو الدواء لكلّ داء.
ومن جملة ما أكّد عليه القرآن الكريم أمر مهم، فقد جعل من النبي الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ الأسوة الحسنة وأمرنا بالاقتداء بها.
فقال تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾ عن الأنبياء والصالحين.
وأمرنا أن نأخذ كلّ ما يأتي به النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم: ﴿مَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
إنّ اقتداءنا برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ والعمل على منهاجه وتطبيق ما أمر به، وتمثيل أخلاقه وسجاياه، والسير على سنّته وأفعاله، والالتزام بما جاء به، هو الذي يحقّق لهذه الأمّة ولكلّ فرد مسلم الانتماء الحقيقي لثقافة القرآن وتعاليمه الربّانية، فإنّه لا يمكن للمسلم أن يتكامل دينياً وإنسانياً وهو بعيد عن وعي الروح الإنسانية والخلق العظيم في حياة سيد الخلق، فكلّما اقتربنا من محيط هذه العظمة المحمّدية فإنّنا نشعر بنشوة النصر على الأنانية والكبرياء والعادات السيئة، وكلّما عشنا رسول الله فكراً وإحساساً، فإنّنا نحقّق أسمى عبادة لله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً
فهو الرحمة المهداة، والعطاء الإلهي الذي لا ينضب: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
والحمد لله رب العالمين


الشيخ عبدالجليل أحمد المكراني