كنت لا أطيق اسم الحسين (عليه السلام)، ولا أحب أن أسايره في طريق، وأكره أن يجمعني بالحسين مكان واحد، لهذا سأكتب لك بحروف الخير والبهاء ملحمة القلب والتاريخ وعن حضور الزهو في بركات السبيل.
في طريق الحج رأيت ركباً مهيباً، فسالت عنه، وعرفت انه ركب الحسين (عليه السلام)، فقد خرج من المدينة المنورة الى مكة المكرمة وسار مع نفر من اهل بيته واصحابه وبرفقته نساؤه وابناؤه واخته زينب بنت علي (عليها السلام).
لما نزلنا في زرود، فاجأني فبعث الي الحسين (عليه السلام) احد اشخاصه، واذا به يدعوني باسمي، وقال: الحسين (عليه السلام) يدعوك, كرهت اللقاء وقررت عدم الاستجابة اليه، لكن زوجتي دلهم بنت عمرو قالت: يا سبحان الله، ايبعث اليك الحسين ابن فاطمة الزهراء (عليها السلام), لِمَ لا تأتيه؟ ما ضرك لو اتيته فسمعت كلامه ورجعت، قلت: لا ضير ان اسمعه كي لا ألام، فذهبت على كره مني، وبعد برهة عدت استبشر خيرا وقد اشرق وجهي بالنور، سألتني زوجتي: ما القضية؟ قلت: سأحدثك، خرج الحسين وركبه من مكة لطلب الإصلاح، زار قبر جده رسول الله (ص) زيارة المودع الذي لا يعود وكان يعرف ان لا لقاء له فلا يرجع الى المدينة ثانية، ولن يزور قبر جده بعد اليوم وانه لن يلقى جده الا وهو يحمل وسام الشهادة، وشكوى الفاجعة: (يا جد اني اخرج من جوارك كرها لاني لم ابايع يزيد الفاجر والقاتل) ضمه جده الى صدره في رؤيا المت به اثر نعسة وقبّل ما بين عينيه وقال: (يا ولدي يا حبيبي اني ساراك بعد حين مذبوحا من قفاك بكربلاء).
بيد ان زوجتي استغربت لهذا الفيض من الحنين الذي احمله لرجل كنت اكرهه قبل لحظات، سألتني: ما الذي جرى؟ قلت: اريد ان اقلع فسطاطي لأنقله قرب فسطاط الحسين (عليه السلام) ثم اريدك ان ترحلي مع اخيط الى منزلك، فاني قد وطنت نفسي على الموت مع الحسين (عليه السلام)، فانت طالق، وقلت لمن كان معي من عشيرتي: من احب منكم ان يتبعني فانه اخر العهد، قال كبيرهم: لكننا نريد ان نعرف ما الذي جرى بهذه الدقائق القليلة، لتنقلبوا الى شأن اخر ما كنت ترتضيه لنفسك؟
قلت:- سأحدثكم حديثا، غزونا (بلنجر) فتح الله علينا واصبنا غنائم، فقال لنا سلمان الفارسي (رضوان الله عليه): افرحتم بما فتح الله عليكم واصبتم من الغنائم؟ فقلنا: نعم، فقال لنا: اذا ادركتم شباب ال محمد فكونوا اشد فرحا معه، بما اصبتم من الغنائم، فاما انا فاني استودعكم الله، وصاح حينها ابن عمي سلمان بن مضارب: اني معك يا عم، يا زهير بن القين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • زرود: رمال بين الثعلبية والخزيمية، بطريق الحاج من الكوفة. (معجم البلدان: ج3/ ص139).