بسمه تعالى وله الحمد

وصلاته وسلامه على رسوله الامين وآله الطيبين الطاهرين


(( الرؤى والاحلام في الثقافة الاسلامية ))


تُعدَّ الاحلام
ظاهرة إنسانية مميزة وملفتة ، لما لها من إنعكاس على حياة الانسان

سواء كان بالايجاب او السلب ، ولهذا وقعت محلاً للبحث والدراسة من قبل المهتمين بهذا المجال

كالفلاسفة وعلماء النفس وعند المشرع الاسلامي وغيرهم في محاولة للوقوف على أبعاد هذه الظاهرة

ودلالاتها وفك رموزها التي تشغل بال الكثير من المهتمين بها .

ففي الثقافة الاسلامية تُقسم الرؤى والاحلام الى أقسام تارة بحسب الرائي وتارة بحسب

نفس الرؤيا ، فإذا كانت الرؤيا من المعصوم فلاشكَّ أنها صادقة وهي جانب من جوانب الوحي

الالهي ، فعن أمير الؤمنين (( رؤيا الانبياء وحي )) الأمالي للشيخ الطوسي ص 338.

ونفس رؤيا المعصوم تارة تتحقق بنفسها وتارة تتحقق بالتأويل ، أمّا الاولى فقد

ذكرها القرآن الكريم في قصة النبي إبراهيم (عليه السلام) :

{{ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىظ° فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىظ°

قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ }}
سورة الصافات : 102.

وأمّا الثانية - وهي المؤلة - فنجدها في قصة النبي يوسف(عليه السلام) في قوله تعالى :

{{
إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ }} سورة يوسف : 4 .

وتارة يكون الرائي غير المعصوم فتكون الرؤيا على ثلاث أقسام :

الرؤيا الصادقة ، والرؤيا المؤلة ، وأضغاث الاحلام

فعن الامام الصادق (عليه السلام) :

(( الرؤيا على ثلاثة وجوه : بشارة من الله للمؤمن ، وتحذير من الشيطان ، وأضغاث أحلام )) الكافي : ج8 ص91.

أما دور الرؤى والاحلام - ونعني رؤيا عوام الناس - في بناء الثقافة الاسلامية فنستطيع القول

أنَّه ليس للمنام أي دور في بناء المعرفة الإسلامية في شتى حقولها ومجالاتها ، تماماً كما لا دور له

في أي حقل معرفي آخر ، أترى أنّ علماء الطب أو الفلك يعتمدون الحلم أو المنامات في اكتشاف

النظريات العلمية أو تشخيص الأمراض أو تحديد الموضوعات ذات الصلة؟!

بالتأكيد لا يفعلون ذلك ، كذلك هو الحال في المعارف الدينية فإنّ المنامات لا تصلح لاثبات شيء .

ويمكن إثبات هذا الزعم بالطرق التالية :

1. ما يخص علم العقيدة فالمعتقدات الدينية لا تُبنى إلاّ على أساس العقل والوحي

ولا يمكننا أن نبرهن على عقيدة معينة أو نثبت مصداقية دين من الأديان أو مذهب من المذاهب

على أساس الرؤى والمنامات .

2. الموضوعات الفقهية ، فهي كذلك لا تُبنى على الرؤى والاحلام لانَّ مصادرها واضحة

وجلية وطرق الاستدلال على الحكم الشرعي ليس منها الرؤى والاحلام .

فعن عن الإمام الصادق (عليه السلام ) تعليقاً على ما روي بشأن الآذان وأنّه رؤي في النوم

من قبل بعض الصحابة ، فقال(عليه السلام) :

(( كذبوا فإنّ دين الله عزّ وجل أعز من أن يرى في النوم )) الكافي : ج3 ص482.

3. وكما لا يصح اعتماد المنام في إثبات الأحكام الشرعية لا يصح اعتماده في إثبات موضوعات الأحكام

كإثبات النجاسة أو الطهارة ، أو كريّة الماء ، أو إثبات بداية الشهور الهلالية أوغيرها من موضوعات الأحكام.

4. في مجال القضاء ،
ومن المجالات التي لا يجوز اعتماد المنام فيها ، المجال القضائي

فلا يجوز إصدار الأحكام أو اتهام الشهود أو تبرئة المتهمين على أساس الرؤى والأحلام

فالقاضي ملزم باعتماد المنهج النبوي الشريف في القضاء , طبقاً لما ورد عنه (صلى الله عليه وآله) :

(( إنما أحكم بينكم بالأيمان والبيانات )) الكافي : ج7 ص414.

فإذا قُتل شخص ولم يُعرف قاتله ، إلاّ أنّ ابنه – مثلاً – رآه في المنام وهو يخبره بأنّ فلاناً هو الذي قتلني

فلا يجوز له ولا للقاضي التعويل على هذا المنام وترتيب الأثر عليه شرعاً ،

حتى لو كان الرائي هو القاضي نفسه وحتى لو تكررت رؤية المنام لأكثر من مرة.

وهكذا لا يجوز لك اتهام الآخرين على أساس المنام ، فلو سرق لك متاع ، ورأيت في المنام من يخبرك

أنّ فلاناً هو السارق فلا يجوز لك إتهامه ورميه بالسرقة ، وهكذا لا يجوز للزوج رمي زوجته بالخيانة الزوجية

استناداً إلى أنّه رآها هو أو غيره في المنام وهي تخونه.

5. الحقائق التاريخية ، للأحداث التاريخية وسائل خاصة لإثباتها ومنهج خاص للتعرف عليها

والمنام ليس من هذه الوسائل ، فعندما يقع البحث عن أنّ هذا الأمر التاريخي أو ذاك قد وقع على عهد

الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) أو الإمام علي (عليه السلام) أو السيدة الزهراء (عليها السلام)

أو غيرهم أو أنّه لم يقع ، فعلينا الرجوع إلى المصادر التاريخية والتأكد ومتابعة الامر بدقة وبهذا نحفظ

ديننا وتراثنا من أنَّ تمسّه الخرافات والامور الدخيلة .

6. التعامل الحياتي والاجتماعي فليس هناك ما يلزم الإنسان شرعاً بأن يرتّب أثراً عملياً على المنام

فلو رأى في المنام أمراً مزعجاً وكان ناوياً للسفر - مثلاً – فليس عليه الامتناع عن السفر

بل له أن يسافر دون أن يبالي بالمنام ، ويمكنه أن يدفع الوحشة النفسية بالصدقة .


نسأل الله أن يأحذ بأيدينا لما فيه الخير والصلاح إنَّه نعم المولى ونعم النصير .