الحديقة الثامنة عشر

وفيها
* نفس المصطفى
* القدر وليلته
* فزت ورب الكـعبة
* ومن يقوى على إعانة علي؟
* دعاء اليوم الثامن عشر
* فضيلة الليلة التاسعة عشر
*الأعمال العامة لليلة القدر
* أعمال الليلة التاسعة عشر
* يوم ليلة القدر

* نفس المصطفى

هذه الليلة القادمة هي الليلة التاسعة عشر، أولى ليالي القدر، ولا ينفك الحديث عنها عن ذكرى جرح أمير المؤمنين عليه السلام، ولا يستطيع المسلم إلا أن يخشع دائماً وأبداً في محراب علي عليه صلوات الرحمن.
ليس علي عليه السلام أحد الخلفاء الأربعة! وليس أحد الصحابة الكبار، ولا أفضلهم وحسب، فلا يشكل ذلك من مراقي فرادة منزلته وعظمتها حتى أدنى السفح، وليس علي عليه السلام وصي المصطفى الحبيب وسيد الأوصياء فقط، فلا يشكل ذلك من سمو منزلته المحمدية إلا التاج الذي يشير إليها.
أما آن أن يكف ذوو القربى قبل غيرهم عن مضض إدمان الظلم المتمثل بإنزال أهل البيت في غير مراتبهم التي رتبهم الله تعالى فيها، وخصوصاً أمير المؤمنين عليه صلوات الرحمن.
أما آن الأوان لإدراك أهمية الدقة في استعمال المصطلحات في الحديث عن الحقيقة المحمدية بتجلياتها.
إن الحديث عن علي عليه صلوت الله تعالى وسلامه، هو بنص القرآن الكريم حديث عن نفس المصطفى الحبيب صلى الله عليه وآله. قال تعالى: ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ *فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ (آل عمران60- 63)
ويطلق المفسرون إطلاق المسلمات أن المراد بقوله تعالى: وأنفسنا وأنفسكم محمد وعلي، صلى الله عليهما وآلهما. ولكن الغريب هو طمس معالم صريح القرآن الكريم لدى الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام، ليتخذ منحى المقارنة بينه وبين غيره، في إصرار على أن الخلاف هل هم أفضل أم هو الأفضل، وكلاهما ظلم وتنكب للصراط القرآني القويم.
وقد صرح رسول الله صلى الله عليه وآله بما يمكن التعامل معه كتفسير لهذا النص القرآني، كما نقل عنه علي عليه السلام وصرّح بما هو بدوره تفسير لذلك حين قال:" وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله، بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره، وانا وليد يضمني الى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسنى جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، وما وجد لى كذبة في قول، ولا خطلة في فعل. ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره. ولقد كنت أتَّبِعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لى في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالإقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه، ولا يراه غيرى، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة. ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله، فقلت يا رسول الله، ما هذه الرنة فقال هذا الشيطان، قد أيِس من عبادته، إنك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلا أنك لست بنبي، ولكنك لوزير، وإنك لعلى خير".
والحقيقة الواضحة التي يأخذ ماتقدم بقلوب المسلمين جميعاً إلى أعتابها للتفاعل معها والإعتقاد بها أن ماعدا النبوة من جميع ماثبت لرسول الله صلى الله عليه وآله فهو ثابت قطعاً لنفسه أمير المؤمنين عليه السلام، وهو ماتؤكده كل النصوص الواردة عنه صلى الله عليه وآله وعن أهل بيته عليهم السلام حول النور الواحد، والحقيقة الواحدة، وأنه منهم وهم منه صلى الله عليه وآله.
* القدر وليلته
في توجهنا إلى الله تعالى، لا بد أن نبدأ بالحقيقة العلوية كمنطلق أساس لمعرفة حقيقة التوحيد، فلا سبيل لمعرفة الله تعالى كما بيّنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم إلا من خلال باب مدينة العلم، وفي توجهنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لا بد أن نبدأ بالحقيقة العلوية الطاهرة "ما عرفني إلا الله وأنت"، وفي توجهنا إلى الكعبة لا بد أن نلتقي بالحقيقة العلوية أيضاً حيث أن علياً ولد في الكعبة إيذاناً من الله تعالى بأن على كل مسلم يتوجه ظاهره إلى الكعبة أن يتوجه باطنه إلى علي ومن علي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ومنه إلى الله تعالى.
يتوجه باطن المسلم إلى علي ليصحح بذلك توجهه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وإلى الله عزَّ وجلّ.
وفي توجهنا إلى ليلة القدر نجد أننا - منذ الليلة التاسعة عشر وإلى الليلة الثالثة والعشرين – أمام الإلحاح على القلب ليدرك محمدية علي وعلوية محمد صلى الله عليهما وآلهما، بل إن الأمة كلها مدعوة على لسان المصطفى الحبيب صلى الله عليه وآله بكل مكونات العقل والوحي والقلب والعاطفة لتعي آذان القلوب حقيقة أن شهر رمضان يجب أن يكون شهر الوصول إلى الله تعالى من خلال محمدية علي صلى الله عليهما وآلهما، فتشاطر الأمة طيلة الشهر المبارك نبيها الأعظم صلى الله عليه وآله وسلّم حزنه وبكاءه لما علم أنه سيجري في هذا الشهر على أمير المؤمنين عليه السلام، فقد ورد في آخر خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم حول شهر رمضان المبارك، قول أمير المؤمنين عليه السلام:فقُمتُ - أي بعد انتهاء الخطبة- وقلت: يا رسول الله ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟ فقال: يا أبا الحسن أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عزَّ وجلّ ثم بكى.. قلت يا رسول الله ما يبكيك؟ قال: يا علي لما يُستحلّ منك في هذا الشهر كأني بك وأنت تصلي لربك وقد انبعث أشقى الأولين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود، فيضربك ضربة على عنقك تخضّب منها لحيتك. قال أمير المؤمنين عليه السلام فقلت:" يا رسول الله وذلك في سلامة من ديني فقال عليه السلام: في سلامة من دينك.. ثم قال المصطفى: يا علي من قتلك فقد قتلني ومن أبغضك فقد أبغضني ومن سبّك فقد سبّني وإنك مني كنفسي روحك من روحي وطينتك من طينتي، إن الله عزَّ وجلّ خلقني وإياك واصطفاني وإياك واختارني للنبوة واختارك للإمامة فمن أنكر إمامتك فقد أنكر نبوّتي، فأنت وصيي وأبو وُلدي وزوج ابنتي وخليفتي على أمتي في حياتي وبعد مماتي، أمرك أمري ونهيك نهيي أقسم بالذي بعثني بالنبوة وجعلني خير البرية أنك حجة الله على خلقه وأمينه على سره وخليفته في عباده".
هذا المصاب الجلل والفاجعة العظمى الذي أبكى خير خلق الله تعالى قبل وقوعه، وقد أراد الله تعالى أن نتعامل معه بمستوى ما لو أن المستهدف به كان شخص المصطفى صلى الله عليه وآله، فكيف ينبغي أن يكون تعاطي الأمة معه؟
وكم هو الفارق الهائل بين ماهو قائم فعلاً في هذا المجال وبين ماينبغي؟!

﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا﴾ ( الإسراء84)

* فزت ورب الكـعبة
أيها الموالي، إصغ جيداً ألا تسمع بأذُن القلب نداءً يدوي في آفاق الزمان منبعثاً من محراب مسجد الكوفة: "فُزتُ ورب الكعبة
هل تهتدي قلوبنا أيها الحبيب إلى القاسم المشترك بين هذا النداء وبين ما تقدم من قول أبي الحسن عليه السلام "وذلك في سلامة من ديني
إنه رضا الله تعالى، وحده لا شريك له، فهو لاسواه قرّة عين أبي الحسن عليه صلوات الرحمن عبودية لله تعالى، هي ميزة نفْسِ من نتحدث عن عبوديته لله تعالى كأعلى وسام محمدي فنقول: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
يحدثه المصطفى الحبيب صلى الله عليه وآله وسلّم عن شهادته فلا يرمش له جفن، ولا يسأل متى وكيف وأين ولِمَ، ولا يشده الحنين إلى الشهادة ليبادر إلى التعبيرعن الفرحة، بل يقول مباشرة "وذلك في سلامة من ديني".
وفي نص آخر يقول المصطفى الحبيب: كيف صبرك آنذاك؟ فيقول: يا رسول الله (ذلك) من مواطن البشرى والشكر.
ويُضرَب عليه السلام تلك الضربة التي حدّثه بها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلّم فيكون التعبير العفوي المباشر "فُزتُ ورب الكعبة"! إنها الشهادة التي طال شوقه إليها والحنين: والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه.
سلامة الدين أيها الموالي والبحث عن الشهادة همّان يجب أن نحملهما باستمرار وفي ليالي القدر بشكل خاص.
نعم، سلامة الدين والبحث عن الشهادة ولا سبيل إليهما إلا من محراب علي، وبالتوسل إلى الله تعالى بعلي ففي ذلك وحده رضا الله ورضا رسوله المصطفى صلى الله عليه وآله وسلّم.

* ومن يقوى على إعانة علي؟
يربطنا بالمرتضى الحبيب ما أجمع عليه المسلمون من أن حبه علامة الإيمان وبغضه علامة النفاق.
لذلك عقدنا الفلب على حبه، وتقربنا إلى الله تعالى بتجذير هذا الحب فلا يقف عند حد ولا يقوى على اعتراضه سدّ.
ونرى دائماً أننا مقصرون " إن المحب لمن أحب مطيع ".
ومن يقوى على عبادة علي؟ ومن يقوى على جهاد علي؟ ومن يقوى على عدل علي؟ ومن يقوى على زهد علي؟!!!
صحيح أنه قال: "ألا وإنكم لاتقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد" ولكن من يقوى على إعانة علي؟
لو أن أحداً منا كان قد طلب إليه أن يعينه على حمل باب خيبر، فهل كان يقوى على إعانته؟ أو طُلب منه إعانته في بدر أو أُحد، أو حُنين والأحزاب؟!
أنى للغارق في بحار الذنوب أن يعين نفس المصطفى الحبيب على الطاعات؟
غير أن كل ماتقدم لايلغي أن طلب الإعانة قائم، فهي إذن ممكنة، ولكن كيف؟
والجواب إن المرتضى بالمؤمنين رؤوف رحيم حريص عليهم عزيز عليه ما يتعبهم.
أليس هذه من صفات رسول الله صلى الله عليه وآله؟
ألم يتقدم أن كل ماثبت للمصطفى الحبيب ثبت للمرتضى الحبيب ماعدا النبوة؟
ومن كانت هذه بعض صفاته لن يكلف من يقرر إعانته إلا اليسير فيقابله له بالكثير الكثير
سيدي يا أبا الحسن، سائل وقف ببابك، مسكين بما جنته يداي، أسير في أيدي الهوى والنفس الأمارة والقلب القاسي وعدوك حب الدنيا وعدوّك الشيطان.
بعزمة من عزماتك فاستنقذني، وبدفء حنانك بلسم جراحات قلبي، أقسم سيدي أني أحب أن أكون زيناً لكم، إلا أني عاجز ضعيف فخُذ بيدي.
دعوةً منك إلى الله تعالى.

ويا لسوء حظي والمنقلب إن أعرضتَ بوجهك الكريم عني يا سرّ ليلة القدر ويا قلب الكعبة ويا باطن كتاب الله تعالى.
يا نفس المصطفى الحبيب خير البرية.
أوليس الشقي من حُرم غفران الله تعالى في هذا الشهر العظيم؟ فأين أُوَلّي وأين يُذهب بي؟
أقسم عليك بالحسنين وزينب وأبي الفضل العباس وأنت تطيل النظر إليهم في هذه الأيام والليالي، وتفكر في ما يجري عليهم من بعدك وكأني بك تقول: أللهم أنت الصاحب في السفر والمُستَخلف في الأهل ولا يجمعهما غيرك.
سيدي ويجدر بي أن أخجل من ادّعائي حب الحسنين وزينب وأبي الفضل.
أيها الأعزاء، لنطرق باب رحمة الله تعالى في ليلة القدر بالتوسل بالمرتضى عليه صلوات الرحمن، ولنثق بأن ربنا نعم الرب فلنحسن الظن به عز إسمه فإنه ولي الإحسان، سبيله الإبقاء على المعتدين، نعم المولى ونعم النصير.

* دعاء اليوم الثامن عشر
"أللهم نبّهني فيه لبركات أسحاره، ونوّر قلبي فيه بضياء أنواره، وخُذْ بكل أعضائي إلى اتّباع آثاره. بنورك يا منوِّر قلوب العارفين
إلهي أنت نور السماوات والأرض "ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور" أخرجني يا إلهي من ظلمات المعاصي والعمى، إلى نور الطاعة والهدى، نبّهني في هذا اليوم إلى بركات أسحاره. أيّ عمى أشد من أن لا يُبصر نور سحر ليلة القدر فيغطّ في حندس نوم عميق " فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" فنوّر قلبي يا إلهي لينبض بحرارة الحياة الطيبة، فتسري في أوصالي بركات اليقين وأخرج من ولاية الطاغوت وظلامه إلى ولايتك يا رب. بنورك يا منوّر قلوب العارفين.

* فضيلة الليلة التاسعة عشر
قال السيد ابن طاوس: "واعلم أن ليلة تسع عشرة أولى الثلاث الليالي الأفراد، وهذه الليالي محل الزيادة في الإجتهاد، ولعمري أن الأخبار واردة وآكدة في ليلة إحدى وعشرين منه أكثر من ليلة تسع عشرة، وفي ليلة ثلاث وعشرين من أكثر من ليلة تسع عشر ومن ليلة إحدى وعشرين".
" يا أيها المقبل بإقبال الله جل جلاله عليه، حيث استدعاه إلى الحضور بين يديه، وارتضاه أن يخدمه ويختص به، ويكون ممن يعز عليه، لو عرفت ما في مطاوي هذه العنايات من السعادات ما كنت تستكثر لله جل جلاله شيئاً من العبادات، فتمم رحمك الله جل جلاله وظائف هذه الليلة من غير تثاقل ولا تكاسل ولا إعجاب، فأنت ذلك المخلوق من التراب، الذي شرفك مولاك رب الأرباب، وخلَّصك من ذلك الأصل الذميم وأتحفك بهذا التكريم والتعظيم، واخدمه واعرف له قدر المنة عليك. ولا يخطر بقلبك إلا أن هذه العبادة من أعظم إحسانه إليك، وأنت تعبده، لأنه أهل والله للعبادة، فإنك مستعظم لنفسك، كيف بلغ إلى هذه السعادة".

*الأعمال العامة لليلة القدر

تنقسم أعمال ليلة القدر إلى قسمين: الأعمال العامة، وهي التي يؤتى بها في كل ليلة من ليالي القدر. والأعمال الخاصة وهي التي يؤتى بها مرة واحدة إما في الليلة التاسعة عشر أو الواحدة والعشرين أو الثالثة والعشرين.

والأعمال العامة التي يؤتى بها في كل ليلة هي:
1- الغسل.
أورد الكليني رضوان الله تعالى عليه " عن أبي عبد الله(الإمام الصادق) عليه السلام: الغسل، من الجنابة ويوم الجمعة والعيدين وحين تحرم وحين تدخل مكة والمدينة ويوم عرفة ويوم تزور البيت وحين تدخل الكعبة وفي ليلة تسع عشرة وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين من شهر رمضان ومن غسل ميتا ".
وعن الإمام الرضا عليه السلام في بيان بعض سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله في شهر رمضان: " فلما كان ليلة تسع عشرة من شهر رمضان اغتسل حين غابت الشمس وصلى المغرب بغسل ".

قال الشيخ المفيد: " وفيها غسل كالذي ذكرناه من الأغسال ".
وقال الشيخ الطوسي:" وروى زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن الليالي التي يستحب فيها الغسل في شهر رمضان فقال: ليلة تسع عشرة وليلة إحدي وعشرين وليلة ثلث وعشرين وقال: في ليلة تسع عشرة يكتب وفد الحاج وفيها يفرق كل أمر حكيم وقد بينا ليالي الغسل وهي أربع ليال: ليلة سبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدي وعشرين وثلث وعشرين، وإن اغتسل ليالي الأفراد كلها(..) كان له فيه فضل كثير".

2- الإحياء.
والمراد به عدم النوم إلى الصباح.
عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من أحيا ليلة القدر حُوِّل عنه العذاب الى السنة القابلة.وعنه صلى الله عليه وآله أنه قال: قال موسى (عليه السلام): إلهي أريد قربك، قال: قربي لمن يستيقظ ليلة القدر، قال: إلهي أريد رحمتك، قال: رحمتي لمن رحم المساكين ليلة القدر، قال: إلهي أريد الجواز على الصراط، قال: ذلك لمن تصدق بصدقة في ليلة القدر.".." قال: إلهي أريد النجاة من النار، قال: ذلك لمن استغفر في ليلة القدر، قال: إلهي أريد رضاك، قال: رضاي لمن صلى ركعتين في ليلة القدر.

3- زيارة الإمام الحسين عليه السلام.
وقد تقدم الحث على زيارته عليه السلام في ليلة القدر، بل في كل وقت، والروايات مستفيضة في زيارته عليه صلوات الرحمن من كل مكان، كما تقدم مزيد إيضاح حول ذلك في الحديث عن الليلة الأولى.
4- دعاء القرآن الكريم.
أ- عن الإمام الباقر عليه السلام:" تأخذ المصحف في ثلاث ليال من شهر رمضان، فتنشره وتضعه بين يديك وتقول: أللهم إني أسألك بكتابك المنزل، وما فيه وفيه اسمك الأكبر، وأسماؤك الحسنى وما يخاف ويرجى، أن تجعلني من عتقائك من النار، وتدعو بما بدا لك من حاجة ".
ب- وقد روي" عن مولانا الصادق صلوات الله عليه، قال: خذ المصحف فدعه على رأسك وقل: أللهم بحق هذا القرآن، وبحق من أرسلته به، وبحق كل مؤمن مدحته فيه، وبحقك عليهم فلا أحد أعرف بحقك منك، بك يا ألله - عشر مرات. ثم تقول: بمحمد - عشر مرات، بعلي - عشر مرات، بفاطمة - عشر مرات، بالحسن - عشر مرات، بالحسين - عشر مرات، بعلي بن الحسين - عشر مرات، بمحمد بن علي - عشر مرات، بجعفر بن محمد - عشر مرات، بموسى بن جعفر - عشر مرات، بعلي بن موسى - عشر مرات، بمحمد بن علي - عشر مرات، بعلي بن محمد - عشر مرات، بالحسن بن علي - عشر مرات، بالحجة - عشر مرات. وتسأل حاجتك ".
5- دعاء " أللهم إني أمسيت لك عبداً داخراً ".
ولا يجمع العلماء على كونه من الأعمال العامة، فقد أورده السيد في عداد أدعية الليلة التاسعة عشر غير أن المحدث الجليل الشيخ عباس القمي نقل عن الشيخ الكفعمي استحباب قراءته في ليالي القدر. وقد نقل العلامة المجلسي عن المصباح للكفعمي، وعن إكمال الدين مايلي:" وادع في هذه الليلة - يعني ليلة ثلاث وعشرين - وفي ليلة تسع عشرة، وإحدى وعشرين بما روي عن مولانا زين العابدين عليه السلام أنه كان يدعوبه في ليالي الافراد قائما وقاعدا وراكعا وساجداً:اللهم إني أمسيت لك عبدا داخراً لا أملك لنفسي نفعا ولا ضراً، ولا أصرف (عنها) سوءاً، أشهد بذلك على نفسي، وأعترف لك بضعف قوتي وقلة حيلتي، فصل على محمد وآل محمد، وأنجز لي ما وعدتني، وجميع المؤمنين والمؤمنات من المغفرة في هذه الليلة، وأتمم على ما آتيتني، فإني عبدك المسكين المستكين، الضعيف الفقير، المهين، أللهم لا تجعلني ناسياً لذكرك فيما أوليتني، ولا لإحسانك فيما أعطيتني، ولا آيساً من إجابتك وإن أبطأت عني، في سراء كنت أو ضراء، أو في شدة أو رخاء، أو عافية أو بلاء، أو بؤس أو نعماء، إنك سميع الدعاء.
وبالرجوع إلى البلد الأمين للكفعمي رضوان الله تعالى عليه، نجد مانقله عنه المجلسي من المصباح وهو صريح في كون هذا الدعاء من أدعية ليالي الإفراد التي تتطابق مع ليالي القدر وليس من الأعمال العامة لها.
وليلاحظ التطابق بين أكثر فقرات هذا الدعاء وبين إحدى فقرات الدعاء السابع والخمسين من الصحيفة السجادية الذي أوله: أللهم ياكافي الفرد الضعيف. والذي كان يدعو به عليه السلام إذا أحزنه أمر وأهمته الخطايا.

6- دعاء الجوشن الكبير
وهو مروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله ذكره السيد ابن طاوس في مهج الدعوات والكفعمي في مصباحه والبلد الأمين والمجلسي في البحار وتحدث عنه مطولاً، وثوابه عظيم يفوق كل تصور وقد ورد فيه الحث على قراءته في أول ليلة من شهر رمضان وفي ليلة أو ثلاث منه دون تعيين ليالي القدر، إلا أن المحدث القمي عند إيراده دعاء الجوشن في مفاتيح الجنان نقل عن زاد المعاد للعلامة المجلسي استحباب قراءته في ليالي القدر، وينبغي مزيد الإهتمام بذلك.
وقد سبقت الإشارة إلى استحباب قراءته في عمل أول ليلة، مع ذكر أكثر مصادر الدعاء.

7- الصلوات
وهي كما يلي:

أ- صلاة ركعتين في كل ركعة الحمد مرة والتوحيد سبعاً وبعد الفراغ يقول المصلي: أستغفر الله وأتوب إليه. سبعين مرة.
أورد السيد "عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: من صلى ركعتين في ليلة القدر، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، وقل هو الله أحد سبع مرات، فإذا فرغ يستغفر سبعين مرة، لا يقوم من مقامه حتى يغفر الله له ولأبويه، وبعث الله ملائكة يكتبون له الحسنات إلى سنة أخرى، وبعث الله ملائكة إلى الجنان يغرسون له الأشجار، ويبنون له القصور، ويجرون له الأنهار، ولا يخرج من الدنيا حتى يرى ذلك كله ".
ب- صلاة مائة ركعة ورد الحث عليها بالحمد مرة والتوحيد عشراً.
قال السيد ابن طاوس:" وقد روي أن هذه المائة ركعة تصلى في كل ليلة من المفردات كل ركعة بالحمد مرة، وقل هو الله أحد عشر مرات، وإن قويت على ذلك فاعمل عليه، واغتنم أيها العبد الميت الفاني ما يبلغ اجتهادك عليه، فإن سم الفناء يسري إلى الأعضاء مذ خرجت إلى دار الفناء، وآخره هجوم المماة وانقطاع الأعمال الصالحات، وأن تصير من جملة القبور الدارسات المهجورات، فبادر إلى السعادات الدائمات، فصلِّ ما تقدم ذكره من العشرين ركعة وأدعيتها، وسبح تسبيح الزهراء عليها السلام بين كل كعتين من العشرين ركعة وأدعيتها، وسبح تسبيح الزهراء عليها السلام بين كل ركعتين من جميع الركعات، ثم قم فصل الثمانين ركعة الباقيات". ثم أورد الأدعية التي تقرأ بعد كل ركعتين من الثمانين التي هي تمام المائة أي مع العشرين التي هي حصة كل ليلة من أول الشهر إلى العشرين منه.
وينبغي التنبه إلى أن هذه الطريقة التي اعتمدها السيد في توزيع المائة ركعة بين العشرين والثمانين هي إحدى الطريقتين في توزيع الألف ركعة على ليالي الشهر وأيام خاصة فيه، وقد تقدم بيان ذلك بالتفصيل في أعمال اليوم الأول فراجع.
ج- عن رسول الله صلى الله عليه وآله:ومن صلى ليلة تسع عشرة من شهر رمضان خمسين ركعة يقرأ في كل ركعة الحمد مرة و إذا زلزلت خمسين مرة لقي الله عزوجل كمن حج مائة حجة واعتمر مائة عمرة وقبل الله منه سائر عمله.
د- وأختم بذكر الصلاة العامة التي تصلى في كل ليلة:قال الكفعمي: "ويستحب أن يصلي في كل ليلة من شهر رمضان ركعتين بالحمد".." والتوحيد ثلاثا، فإذا سلَّم قال: سبحان من هو حفيظ لايغفل، سبحان من هو رحيم لا يعجل، سبحان من هو قائم لايسهو، سبحان من هو دائم لايلهو. ثم يقول التسبيحات الأربع سبعاً، ثم يقول: سبحانك سبحانك ياعظيم. إغفر لي الذنب العظيم. ثم تصلي على النبي عشراً. من صلاها غفر الله له سبعين ألف ذنب. ".
* وحيث قد يتصور أن الأعمال العامة والخاصة لليالي القدر تغني عن الأعمال العامة لكل ليلة، فقد وجب التنبيه على المحافظة في كل ليلة من ليالي القدر على الأعمال العامة التي ورد أنه يؤتى بها في كل ليلة. قال السيد ابن طاوس: " ومن مهمات ليلة تسع عشرة ما قدمناه في أول ليلة منه، مما يتكرر كل ليلة، فلا تعرض عنه".

* أعمال الليلة التاسعة عشر
وأما الأعمال الخاصة بالليلة التاسعة عشر فهي:
1- مائة مرة أستغفر الله وأتوب إليه.
2- مائة مرة أللهم العن قتَلة أمير المؤمنين عليه السلام.

قال السيد: " وروي أنه يستغفر ليلة تسع عشرة من شهر رمضان مائة مرة، ويلعن قاتل مولانا علي عليه السلام مائة مرة".
3- دعاء "يا ذا الذي كان قبل كل شئ، ثم خلق كل شئ، ثم يبقى ويفنى كل شيء، ياذا الذي ليس في السموات العلى ولا في الأرضين السفلى، ولا فوقهن ولا بينهن ولا تحتهن إله يعبد غيره، لك الحمد حمداً لا يقدر على إحصائه إلا أنت، فصل على محمد وآل محمد، صلاة لا يقدر على إحصائها إلا أنت.
4- دعاء آخر: اللهم اجعل فيما تقضي وتقدر من الأمر المحتوم وفيما تفرق من الأمر الحكيم في ليلة القدر، وفي القضاء الذي لا يرد ولا يبدل، أن تكتبني من حجاج بيتك الحرام، المبرور حجهم، المشكور سعيهم، المغفور ذنوبهم، المكفرعنهم سيئاتهم، واجعل فيما تقضي وتقدر أن تطيل عمري، وتوسع عليَّ في رزقي، وتفعل بي كذا وكذا. قال السيد ابن طاوس: وهذا الدعاء ذكرنا نحوه في دعاء كل ليلة، ولكن بينهما تفاوت.
5- دعاء آخر في هذه الليلة مروي عن النبي صلى الله عليه وآله: سبحان من لا يموت، سبحان من لا يزول ملكه، سبحان من لا يخفى عليه خافية، سبحان من لا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلا في كتاب مبين إلا بعلمه وبقدرته. فسبحانه سبحانه، سبحانه سبحانه، سبحانه سبحانه، ما أعظم شأنه، وأجل سلطانه، أللهم صل على محمد وآله واجعلنا من عتقائك وسعداء خلقك بمغفرتك، إنك أنت الغفور الرحيم.
وأختم بما قاله الشيخ المفيد عليه الرحمة والرضوان: فإذا حضرت ليلة تسع عشرة فاغتسل فيها قبل مغيب الشمس، فإذا صليت المغرب ونوافلها الأربع والعشاء الآخرة فصل بعدها مائة ركعة، تكثر فيها من قراءة: " إنا أنزلناه في ليلة القدر " والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله، والصلاة على أمير المؤمنين وذريته الأئمة المهديين صلوات الله عليهم أجمعين، والإبتهال في اللعنة والدعاء على ظالمهم، من الخلق أجمعين، وتجتهد في الدعاء لنفسك، ولوالديك، ولإخوانك من المؤمنين...

* يوم ليلة القدر
في الأمور الدنيوية نحرص عادة على اغتنام كل فرصة نحتمل حصول ربح بسببها، وكلما كان احتمال الربح أكثر، اشتد الإهتمام وبالتناسب معه، وهو من حيث المبدأ أصل عقلائي، إلا أننا لانهتم بتطبيقه في المجال الديني فتفوتنا فرص فريدة هي من النفحات الرحمانية التي ينبغي أن نتعرض لها ولا نعرض عنها.
من هذه الفرص المهملة يوم ليلة القدر الذي ورد أنه كليلة القدر في الفضيلة مما يعني بوضوح أن الله تعالى طوّل ظرف ليلة القدر وخصائصه ليشمل اليوم التالي فيكون متسع فيض الرحمة مضاعفاً.
قال السيد ابن طاوس عليه الرحمة:أقول: واعلم أن الرواية من عدة جهات عن الصادقين، عن الله جل جلاله عليهم أفضل الصلوات، أنّ يوم ليلة القدر مثل ليلته، فإياك أن تهوِّن بنهار تسع عشرة أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، وتتكل على ما عملته في ليلتها وتستكثره لمولاك، وأنت غافل عن عظيم نعمته، وحقوق ربوبيته. وكن في هذه الأيام الثلاثة المعظمات على أبلغ الغايات، في العبادات والدعوات، واغتنام الحياة قبل المماة." والمهم من هذه الليالي في ظاهر الروايات عن الطاهرين ما قدمناه من التصريح، أن أهمها " ليلة ثلاث وعشرين، فلا تهمل يومها. فمن الروايةفي ذلك بأسنادنا عن هشام بن الحكم رضوان الله عليه عن أبي عبد الله الصادق صلوات الله عليه أنه قال: يومها مثل ليلتها - يعني ليلة القدر. وفي حديث آخر عن الصادق عليه السلام قال: هي في كل سنة ليلة، وقال: يومها مثل ليلتها. وفي حديث آخر عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سأله بعض أصحابنا".." كيف تكون ليلة القدر خيراً من ألف شهر؟ قال: العمل فيها خيرٌ من العمل في ألف شهر، ليس فيه ليلة القدر، وقال أبو عبد الله عليه السلام: يومها مثل ليلتها - يعني ليلة القدر، وهي تكون في كل سنة".
إن ما نطمع للحصول عليه من مغفرة الله عزَّ وجلّ يستوجب أن نمضي بعض الليالي بالإحياء والتهجد والعبادة، ونواصل العمل بنفس الوتيرة في أيام تلك الليالي، فإنا قد نبذل جهداً مماثلاً أو مضاعفاً من أجل هدف هو أقل بكثير من هذا الهدف المصيري.
أسأل الله عزَّ وجلّ أن يوفّقنا لإحياء هذه الليالي المباركة، والتنبه لأهمية أيامها، وأن يتقبّل أعمالنا جميعاً ويمنّ علينا بعتق رقابنا من النار وما ذلك على الله بعزيز.
والحمد لله رب العالمين
1.